آخر تحديث: 13 / 6 / 2026م - 10:30 م

من النسوية إلى الاستئسادية… إلى أين يتجه المجتمع؟

المهندس أمير الصالح *

من حق كل رب أسرة ناضج وواعٍ أن يحصن أولاده بالغالي والنفيس والوقت والجهد، من الأفكار الهدامة الدخيلة التي يتم تمريرها عبر بعض برامج القنوات الفضائية والمجاميع الفكرية وبعض نجوم السوشيال ميديا والفاشينيستا والأنشطة المشبوهة والجلسات الموبوءة، لدفع البلاء بناءً على ما حصل ويحصل من تفتت البناء الأسري داخل بعض المجتمعات حول العالم. ولا يعير الأب الرؤوف والأم الحنون الذائدان عن حمى أبنائهم وأسرتهم وعرين بيوتهم أي اهتمام للألقاب والتنابز التي قد يرميهم البعض بها كالجهال أو المنغلقين أو المتخلفين أو الرجعيين… إلخ. فحماية الأسرة هدف سامٍ وأساسي ومصداق للآية القرآنية الكريمة: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6]. القيم المروج لها حاليًا في كثير من دول العالم القوي ومن ينطوي تحتهم هي الشذوذ والاعتداء على الأطفال وعبادة الشيطان والعلاقات غير السوية والاحتيال الاحترافي والتلاعب بالألفاظ والمفاهيم.

حوار

على مدى عقود كانت وسائل الإعلام الأجنبية مثل بعض المجلات وبعض الصحف وبعض محطات التلفزة وكثير من الأعمال السينمائية وبعض قصص الدراما وكثير من قصص المسلسلات الغرامية ومقاطع الفيديو، روجت وتروج صورًا صارخة لأنوثة المرأة بطرق متعددة على أن المرأة الشابة واليافعة مصدر الجمال والإلهام والغرام والنعومة والحنان والتأنق والتغنج. فكانت الصورة في أذهان البعض من الرجال من بقايا تلكم الحقبة ومن ما زال متأثرًا بها في بِقَاع الدنيا، يرى المرأة الجميلة الممشوقة طولًا مجرد دمية بلهاء تستخدم لجذب وإغراء وإغواء الزبائن الخرفان وأصحاب العقل الخفيف «التريللي» والشهوانيين.

ولاحقًا ظهرت ذات المكائن الإعلامية تروج هبة بمفهوم جديد عن المرأة الشابة عبر إغراق صور تدعو المرأة إلى الاستقلال والخروج من كنف الرجال، سواء أكان أبًا أم أخًا أم زوجًا، والسعي للاستقلال المالي عبر اقتحام سوق العمل دون قيود، وتباعًا الاستقلال السكني بالمكوث مع صديقات والابتعاد عن أي رقابة من الوالدين والأهل. وتحريضها على انتزاع حقوقها عبر المجاهرة بالتصادم مع الرجال ومناكفتهم في البيت والشارع وإدخالهم دهاليز المرافعات الحكومية تارة بعنوان صحيح وتارة بعنوان كاذب، والمماطلة في المرافعات والمحاكم. واقتحام مجالات خطرة سواء بالمصانع النائية والمحال التجارية المكتظة ومراكز صنع القرار الخشنة؛ فنفر عدد ليس بالقليل من الرجال من فكرة الزواج لما رآه ويراه من مشاكل وتبعات قَضائية وخداع وجدل، والعكس صحيح في أحيان أخرى. وضجت الدنيا في مجتمعات عدة بمعدلات كثرة الطلاق «بعض دول الخليج» وانخفاض الزواج «الشمال المغربي وكندا» وكثرة العوانس «دول العالم العربي وخصوصًا لبنان» وشيخوخة بعض المجتمعات «اليابان وألمانيا» وانحدار خصوبة الرجال والنساء «دول العالم باستثناء دول إفريقيا وغرب آسيا» وكثرة بؤر الفساد الأخلاقي «عدد المدن الموبوءة بهذا المرض في تزايد» وضياع نسب معتبرة من أبناء الأجيال الصاعدة. وتلكم الفترة ما زالت بعض المجتمعات الصناعية وغير الصناعية تمر فيها، وبعض المجتمعات الصناعية الأخرى تجاوزتها لمرحلة أكثر قسوة وأكثر عنفًا؛ حاليًا يرصد المتابع الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية مقاطع دعائية تروج للمرأة المسترجلة والتي تتعارك مع الرجال وتدخل حلبات المصارعة وتتنافس في مسابقات كمال الأجسام وتتدرب لرفع مستوى ضخامة عضلاتها… إلخ. حتى أضحى حديثًا أن بعض الرجال تعرضوا ويتعرضون للعنف الجسدي من النساء في المنزل أو العمل؛ مع أن أولئك الرجال وثقوا ويوثقون ورفعوا ويرفعون طلب مساعدة من الجهات الرسمية بسبب تعنيف نسائهم أو زميلاتهم بالعمل لهم! وسمعت ذات مرة عن الدعوة لإطلاق «جمعية حماية الرجال من عنف النساء» على غرار «جمعية حماية الأطفال والنساء من العنف».

عجيب غريب عبادة الإنسان للإنسان وما آل إليه وضعه، قبل عقود في بعض بِقَاع الدنيا قتل الفكر المادي الله من قلوب بعض البشر وعقولهم بعدة أدوات، بدأت بالتشكيك مرورًا بالنظريات الملوثة للعقل والروح وما زالت تتلون في الإصدارات وانتهاءً بالإلحاد.

حتمًا بعض الرجال في بعض المجتمعات الشرق أوسطية أضحى يخشى أن تنتقل تلكم الموجات السلوكية المضطربة لمجتمعاتهم المحافظة عبر أهل التغريب والتشريق والهلاميين وأصحاب الأفكار العوراء والبرامج الفكرية العرجاء!

تحصين الفكر

في عصرنا الراهن، يبدو أن الأبوين مطالبان ليس فقط بتوفير المأكل والمشرب والمبيت والملبس والتعليم والطبابة لأبنائهم، بل هما مطالبان أيضًا بحمايتهم من الأفكار الهدامة والملوثة والشاذة والمنحرفة والمتطرفة عبر جرعات مركزة وجلسات حوار ناضجة ونافعة لتحصين الأبناء وأفراد الأسرة من براثن الحروب الفكرية الناعمة الدائرة رحاها في تطبيقات الإنترنت ومواقع المنصات وبرامج التواصل الاجتماعي والإعلام العالمي والواقع العالمي والمحطات التلفزيونية الفضائية ومواقع خدمات السياحة الهابطة ومرافق تزويد الترفيه المسمومة في بعض الدول الأجنبية.

كما أن إرجاع التوازن في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة أسهم ويسهم وسيسهم في معالجة مثل هذا النشوز في العلاقة بين الرجل والمرأة. ويمر هذا وذاك عبر قنوات وآليات عدة، منها بتجديد تعاهد زرع الأفكار النيرة واحترام كل طرف للأطراف الأخرى والقناعة بما قسم الله من رزق حلال بعد بذل الجهد والصوم الرقمي والابتعاد عن مكائد الشيطان.

قوانين الأسرة

هناك إصدارات عدة لقانون الأسرة في دول عدة، إلا أن بعض تلكم القوانين زاد الشرخ بدل المودة وزاد التحريض لطرف ضد طرف آخر. وعليه من الجيد تحصين أفراد المجتمع والمجتمع من التجارب الفاشلة التي خاضتها مجتمعات أخرى مجاورة وغير مجاورة، فصنعت لهم عاهات في العلاقات وأولاد شوارع كُثر واستغلال طرف لطرف وبلطجة واستقواء بسلطة ذلك القانون في غير محله.

توجيه من أب روحي

كتب الأب الروحي لملايين المسلمين كلمة مفيدة جدًا وتستحق الاتباع، ونصها: «واعلموا أنّكم في زمانٍ كثُرت فيه المزالق وتنوّعت فيه مُغريات الدّنيا وفتنها، ولا ينجو فيه إلاّ الثابتون على الدّين المخلصون في العقيدة الصّادقون في العمل، فاثبتوا واصبروا واذكروا الله كثيرًا لعلّكم تفلحون»، للسيد علي السيستاني «حفظه الله».