التفاهة من النظام إلى الثقافة
إذا أردت أن تهدم حضارة، احتقر معلماً، وأذل طبيباً، وهمّش عالماً، وأعطِ قيمة للتافهين.
قد تكون هذه الجملة مجرد مقولة متداولة، لكنها تختصر واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه المجتمعات الحديثة. إن أخطر ما أصاب عصرنا ليس انتشار التكنولوجيا، بل انتشار ثقافة التفاهة. فالتكنولوجيا أداة محايدة، لكنها تتحول إلى قوة هدم عندما تصبح منصة لتقديم الشهرة على الكفاءة، والمتابعين على المعرفة، والإثارة على الحقيقة. وغالبًا ما يُقصَد بالتفاهة ليس «الضحك» أو «البساطة»، بل غياب المعنى أو تقليل قيمة المعرفة الجدية، والبهرجة والابتذال، والمبالغة في التفاصيل، والتركيز على المظهر، وعدد المتابعين، والاستهلاك السريع، وتفضيل الصدمة والاختزال على الفهم والعمق.
أما كيف تتحول التفاهة من النظام إلى الثقافة؟ فالنظام له قواعد رسمية أو غير رسمية تُدار بها الحياة العامة «إعلام، اقتصاد، سياسات، آليات مكافأة في المجتمع». أما الثقافة فهي ما يحدث من وقائع وأحداث ويصبح «طبيعيًا» ومرغوبًا وموروثًا «قيم، ذوق، أساليب كلام، معايير قبول/رفض». ويتم التحول من خلال عدة عوامل؛ منها صناعة الحوافز «جزء نظامي»، وذلك من خلال الانتشار الأكثر لما لا قيمة له، وتحويل الاهتمام إلى سلعة. ف«مدة المشاهدة» و«الترند» أهم من العمق، وتسطيح النقاش لأن السجال السريع يولّد تفاعلًا أعلى. كما يتم تطبيع السلوك بحيث تصبح التفاهة مألوفة، مع تكرار نفس الأنماط، ونفس اللغة، ونفس الاستعراض، وبالتالي يقلّ أثر النقد لأن الانتشار الإعلامي يغطي على التفكير، ومن ثم تتغير الأعراف، فيصبح ما لا يجذب الجمهور يُعدّ مُملاً أو قديماً. ولأن الناس تقلّد، ولأن النظام يكافئ التقليد، تزداد الفجوة بين منشأ المعنى ومستهلك المعنى.
لقد كانت المجتمعات تقيس مكانة الإنسان بما يضيفه إلى الحياة من علم أو عمل أو خلق. لكن اليوم، أصبح بعض الناس يقيسون القيمة بعدد المشاهدات والإعجابات، حتى لو كان المحتوى فارغًا، بل وربما كان أكثر تفاهة كلما ازداد انتشارًا.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت، بقصد أو بغير قصد، في هذا التحول. فالخوارزميات لا تكافئ دائماً الأكثر علماً، وإنما تكافئ الأكثر جذباً للانتباه.
ومع هيمنة تطبيقات مثل واتساب وتيك توك وإنستغرام، تبدّلت عادات التلقي. فبدلاً من الجلوس ساعات مع كتاب يصنع العقل، أصبح كثيرون يستهلكون مئات المقاطع القصيرة التي تملأ الوقت ولا تبني المعرفة.
ولا يعني ذلك أن هذه المنصات شر مطلق، فهي أدوات عظيمة إذا أُحسن استخدامها، وقد فتحت أبواباً هائلة للتعلم والتواصل ونشر المعرفة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى المصدر الوحيد للثقافة، فيصبح الفيديو القصير بديلاً عن الكتاب، والمنشور العابر بديلاً عن البحث، والرأي الشخصي بديلاً عن العلم.
من أخطر نتائج ثقافة التفاهة:: تراجع احترام الخبرة والمعرفة، وضعف القدرة على التركيز، وسيادة «الرد السريع» بدل «التفكير»، واستبدال الأسئلة العميقة بأسئلة سطحية: «من فاز؟ من قال؟» بدل «لماذا؟». وبذلك فإنها تعيد تشكيل البيئة الفكرية للمجتمع. فالأطفال والشباب يبحثون عن القدوة فيما يشاهدونه يومياً، فإذا كان المشهد يحتفي بالمشهور لا بالمجتهد، وبالمثير لا بالمفيد، فإن الرسالة التي تصل إليهم واضحة: ليس المهم أن تكون عالماً، بل أن تكون معروفاً. وليس المهم أن تمتلك معرفة، بل أن تمتلك جمهوراً.
وحين يحدث ذلك، يفقد المعلم هيبته، ويصبح الطبيب مجرد موظف، ويُهمَّش الباحث، بينما تتصدر المشهد شخصيات لم تقدم للمجتمع سوى الترفيه السطحي أو الجدل العقيم. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، لأن الحضارات تُبنى بالمفكرين والعلماء والمربين والمهنيين الذين يصنعون المستقبل بصمت.
لقد كانت أمهات الكتب مدارس تصنع الإنسان القادر على التفكير والتحليل والنقد. أما القراءة المجتزأة والمتناثرة التي تفرضها ثقافة السرعة، فإنها تنتج معرفة سطحية، ومواقف متقلبة، وعقلاً يستهلك المعلومات دون أن يهضمها. أما كيف تُعالَج الثقافة بعد التحول إلى التفاهة؟ يتم ذلك من خلال تغيير الحوافز «قياس الجودة لا الكمية أو الانتشار»، وإعادة بناء مساحات نقد طويلة «محتوى وتعليم ونقاش لا يعتمد على السرعة»، وحماية وقت التفكير «تقليل الضجيج لا باعتباره أخلاقًا فقط بل كتنظيم حياة». وبالتالي فإننا مطالبون بأن نجعل التكنولوجيا في خدمة العقل، لا أن نجعل العقل أسيراً لها.
إن المجتمعات التي تُكرّم معلميها، وتحترم أطبائها، وتحتفي بعلمائها، وتفتح المجال للمبدعين الحقيقيين، تضع أول لبنة في مشروع نهضتها.













