الإنسان والتراب والوقت... عودة لنقاش قديم
هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الأركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة، أي الإنسان والتراب والوقت، مع تعديل أراه ضرورياً، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.
أعلم أن بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الأهمية، وأن المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكنني أجد أيضاً أن غالبية أهل الرأي، متفقون على أن مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. إن اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة، بدل البلاغة وبديع الكلام، دليل على إيمانهم بمحورية المعارف النظرية، التي تشكل الأرضية والإطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.
أعتقد أن الجميع متفق على ضرورة النهضة، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة أن النهضة ليست إجراءات أو منظومة أعمال فقط، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للأهداف الكبرى والوسيطة، ومعايير للتحقق من سلامة العمل، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا إليها.
إنني أطمع أن يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة أو تمنيات، إلى مسائل قابلة للنقاش العام، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية للناس كافة.
لا شك أن هذه القضايا جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين، فضلاً عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني أن غالبية العرب لا تهتم كثيراً بالجدل حول المشاريع الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال، إلى انشغال الناس بلقمة العيش، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع أن تلك المشاريع هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.
سوف أعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكنني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الإنسان الذي اقترحه، والذي أراه منصرفاً إلى معنيين: أولهما كون الإنسان هدفاً نهائياً للنهضة، فلا يصح أن تضم بين مشاريعها ما يضعف دوره أو يقيد مساراته. والآخر كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشاريع النهضة. ومن هنا، فإن تطوير قدرات الإنسان العقلية والعلمية، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة، يُعدّ رهاناً محورياً وتمهيداً لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.
أما التراب، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى أن الأصوب استبداله بمفهوم ”الطبيعة“ ككل، باعتبارها موضوعاً لعمل الإنسان. نهضة الاقتصاد والعلم، وهما جوهر مفهوم التقدم، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الأكفأ للموارد الطبيعية.
أما الوقت، فإنني أقترح أن نستبدل به مفهوم الزمن أو التاريخ؛ لأن التقدم ليس مشروعاً ينتهي بعد مدة. بل هو أقرب لبرنامج مفتوح، يبدأ بما تعرف، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة، فتستغني عما سبق. وهكذا، فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة إلى أخرى جديدة، تؤدي بالضرورة إلى زوال قيم وبروز أخرى، وزوال مفاهيم وأحكام وأخلاقيات وبروز بدائل عنها، وهكذا. معرفة الإنسان تاريخية بطبعها، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية، أي مشروطة بزمنها، شرط ضروري للتعامل الناضج مع التحولات التي تجري في سياق النهضة. ولنا عودة إلى هذا الموضوع.













