آخر تحديث: 10 / 6 / 2026م - 9:07 م

حين علمني البعد قيمة القرب

مصطفى صالح الزير

بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنفال: 23].

تكشف هذه الآية المباركة عن حقيقة دقيقة في مسيرة الإنسان إلى الله تعالى؛ وهي أن الفيض الإلهي والهداية الربانية والسكينة التي يبحث عنها الإنسان لا يُحرم منها أبداَ، وإنما المنع يكون من الإنسان نفسه وليس من الله حاشاه سبحانه وهو الرحمن الرحيم، ولأنه يفقد ”قابلية الاستقبال“ حين تتراكم عليه الملهيات والذنوب والانشغالات.

فالله سبحانه يعلم ما في القلوب، ويعلم من يطلبه بصدق، ومن يتهيأ للنور ومن يغلق منافذه دون أن يشعر.

ولهذا هنالك قاعدة مهمة جداً عند أهل المعرفة في تهذيب النفس: التخلية ثم التحلية ثم التجلية.

وهي طريق القلب خطوةً خطوة نحو الله تعالى.

القلب بين الامتلاء والنقاء:

القلب يشبه الكوب؛ لا يمكن أن يُملأ بماء صافٍ ما دام ممتلئاً بالتراب. لذلك لا بد أولاً من ”التخلية“، أي تفريغ القلب من كل ما يعوق صفاءه واتصاله بالله.

ومن ذلك: الحسد، والكبر، والرياء، وسوء الظن، والعجب، وحب الدنيا. كما يدخل في ذلك ثِقل الانشغال بكلام الناس، وتتبع أحوالهم، ومقارنة الحياة عبر الشاشات والواقع الحضوري أيضاً، حتى يضيع صفاء القلب ويبهت حضوره في الصلاة وسائر العبادات.

حقيقة الصدأ الروحي:

وهنا يتجلى المعنى القرآني العميق:

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .

فالران هو الصدأ الذي يتراكم على القلب شيئاً فشيئاً حتى يتحول إلى حجاب يحول بين الإنسان وبين نور الحق.

وقد عبّر رسول الله ﷺ عن هذه الحقيقة بقوله:

«إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد».

فقيل: وما جلاؤها يارسول الله؟

فقال: «تلاوة القرآن وذكر الموت».

وهنا يتجلى ”ذكر الموت“ كأقوى لحظة إيقاظ للإنسان؛ وليس الخوف منه كحالة انتقالية من رحلة إلى رحلة أجمل، فعندما يقف بين القبور أو يتأمل النهاية، تنكشف له الدنيا بلا زينة، ويكتشف أن ما كان يراه جبالاً من الهموم ليس إلا غباراً عابراً في طريق زائل.

عندها تصغر الابتلاءات، وتعود الخصومات والمشكلات إلى حجمها الحقيقي، ويستعيد القلب ميزان الرؤية الصحيح بعد طول اضطراب.

فالصدأ لا يأتي دفعة واحدة، بل يتراكم ببطء، وكذلك القلب لا يقسو فجأة، بل تضعف نوره الغفلات شيئاً فشيئاً، حتى يغدو بحاجة إلى جلاءٍ دائم.

صيانة القلب اليومية:

ومن هنا يحتاج القلب إلى صيانة مستمرة؛ بالقرآن الذي يغسل الداخل ويعيد ترتيب الروح، وبذكر الموت الذي يكسر سكرة الغفلة ويوقظ الإنسان.

كما أن الصدأ يتغذى على الحديد نفسه حتى ينهكه، كذلك الهموم وسوء الظن إذا تُركت في الداخل أكلت صفاء الإنسان من حيث لا يشعر.

لفتة إلى واقعنا:

إن أكثر ما يرهق الإنسان اليوم ليس البلاء ذاته، بل تراكم ما في صدره: عتب قديم، وذكريات موجعة، وكلمات عالقة، وأفكار تضخمت أكثر من حجمها الحقيقي، حتى صار أسيراً لتفسيراته.

بينما يريد الله له قلباً خفيفاً مطمئناً، حرّاً من الداخل، متصلاً به سبحانه.

في محضر الأستاذ: سؤال وجواب:

وفي ظلال هذا السعي لتطهير الروح، أذكر أنني وقفت يوماً بين يدي سماحة الوالد العلامة الشيخ محمد كاظم الجشي «حفظه الله ورعاه»، بماذا تنصحونا في السير إلى الله تعالى وفي هذه الدنيا؟"

فالتفت إليّ الوالد وخصّني بوصية ثقيلة بميزان الروح، غامرة بالوعي، حيث قال:

”إن هذا القلب يجب أن يكون نظيفًا، وأن أعمال الإنسان تُعرض على رسول الله ﷺ، فينبغي على المؤمن الحرص بأن تكون أعماله نقية طاهرة كما تُرفع إلى حضرته الشريفة“.

فكانت إجابته حاسمة في أن مراقبة باطن القلب هي أولى خطوات المسير.

وإذا كان صلاح القلب يبدأ من مراقبة الباطن وتطهير العمل، فإن هناك بيئاتٍ ومواطنَ تعين الإنسان على ذلك، وتمنحه دفعةً روحية لا تُقدَّر بثمن. ومن هنا أجدني أقف مع نفسي وقفة مصارحة واعتراف، لعلها تكون تذكرة لي ولغيري.

اعتراف متأخر؛ حين علّمني البُعد قيمة القرب

أقولها والقلب يملؤه الشوق والحسرة معًا: فيامن تجاورون حبيب القلوب محمداً وآله الطاهرين إنكم تُغبطون على نعمةٍ قد لا يدرك كثير من الناس عظمتها إلا بعد فقدها «أدام الله عليكم هذه النعم».

وأعترف بين يدي الله أنني لم أعرف حق المعرفة قيمة هذا الجوار المبارك، ولا عمق أثره في تهذيب النفس وصناعة الوعي وصفاء الروح، إلا حين ابتعدت عنه.

فالإنسان إذا طال به القرب ربما أخذته العادة، حتى يمرّ على النعمة وكأنها شيء مألوف، بينما هي في الحقيقة بحرٌ من الفيوضات لا ينضب. وعندما يحول البعد بينه وبينها، يكتشف كم كان يعيش في ظلال رحمة عظيمة لم يكن يلتفت إلى تفاصيلها.

لقد أدركت متأخراً أن القرب من منابع النور ليس مجرد قرب مكان، بل قرب روح، وأن الإنسان كلما أكثر من الحضور في تلك المواطن المباركة ازداد قلبه صفاءً، ونفسه هدوءاً، وبصيرته إشراقاً، وفهمه للحياة أعمق وأوسع.

فهنيئاً لمن جمع الله له بين شرف المكان ويقظة القلب، وهنيئاً لمن لم تحجبه العادة عن رؤية النعمة.

والأجمل من ذلك كله أن أبواب القرب لا تُغلق بالمسافات؛ فكم من قلبٍ بعيدٍ بالجسد قريبٌ بالروح، يعيش الشوق لأهل البيت ، فيغترف من أنوارهم بصدق التوجه ولهفة المحبة ما لا يغترفُه الغافل وهو بجوارهم.

فلا تجعلوا القرب المكاني يتحول إلى عادة بلا أثر، واستثمروا أنفاس الجوار لتصفية البواطن.

من التخلية إلى التحلية:

بعد التخلية وعتاب النفس يبدأ طور التحلية؛ حيث يُزيَّن القلب بالإخلاص، والتواضع، والمحبة، واليقين، والتوكل، وحسن الظن بالله.

فيتحول القلب إلى أرضٍ طيبة، تنبت فيها الطمأنينة والخير، ويصبح الإنسان أكثر قرباً من النور الإلهي في سلوكه ونظرته.

ثم التجلية نور القلب:

أما التجلية فهي ذروة الطريق؛ حين يصبح القلب مرآة صافية تتجلى فيها أنوار الهداية، فيرى الإنسان بنور الله، ويقترب سلوكه من السداد، ويبتعد عن الغفلة بلا عناء.

وهنا يعيش الإنسان حالة من الصفاء الداخلي، كأن النور أصبح جزءاً من وعيه لا يزول.

مفاتيح النور:

ومن أعظم مفاتيح هذا النور؛ الافتقار الدائم إلى الله والاستعداد للصلاة قبل وقتها ولو لدقائق ناهيك عن الصلاة في أول الوقت لما لها من آثار عجيبة وفيوضات معنوية ومادية عظيمة، والإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد، فهي نور يفتح الأبواب، ويغسل القلب، ويزرع السكينة في الداخل، ولو لم تُدرك آثاره لحظياً، لكنها تُرى آثارها يقيناً في الحياة والروح.

الفيوضات الإلهية بحسب القلوب «قابلية القابل»:

إن الفيوضات الإلهية لا تنقطع، لكنها تتفاوت بحسب القابلية.

فالقلب النظيف يلتقط النور بسرعة، والقلب المثقل يحتاج مجاهدة حتى يعود إلى صفائه.

ولهذا كانت العبادات اليومية؛ القرآن، الصلاة والاستغفار، والمحاسبة، والصلاة على محمد وآل محمد، ليست أعمالاَ شكلية «قولية، فعلية»، بل عمليات تطهير مستمرة لإعادة الحياة إلى القلب.

رسالة إلى القلب:

يا أيها القلب المبارك لا تيأس إن وجدت فيك غفلة أو ثقلاً، فالله الذي خلقك أعلم بطريق شفائك.

كم أتعبتنا الدنيا حين ظننا أن فيها الراحة، وكم أثقلتنا كلمات الناس حين كبّرناها في صدورنا، وكم حملنا ما لا يُحمل حتى ضاق بنا الطريق.

والحقيقة أن القلب لم يُخلق ليحمل هذا كله، بل ليعرف الله ويطمئن به.

وصية عملية للحياة:

امنح قلبك كل يوم لحظة صدق؛ آية تتدبرها، واستغفاراً تردده، وصلاةً على محمد وآل محمد،

ودعاءً صادقاً، وسترى كيف يخف الحمل، وتكبر السكينة، ويتغير الداخل بهدوء عجيب.

فلا تنشغل بكلام الناس، ولا تُتعب روحك بما لا يبقى، واجعل قلبك مشروعك الأهم؛ فهو زادك حين تنقطع الأسباب.

إن أبواب السماء مفتحة، ونوافذ القلوب كثيراً ما تكون مثقلة بالغبار. وما إن يبدأ الإنسان بإزالة ذلك الغبار شيئاً فشيئاً، حتى يكتشف أن النور كان ينتظره منذ زمن، وأن الفيض الإلهي لم ينقطع عنه يوماً، وإنما كان ينتظر قلباً أكثر استعداداً وقابلية.

لحظة أمل:

نظّف قلبك بالتخلية، وزيّنه بالتحلية، وارتقِ به إلى التجلية؛ فإن نور الله لا يغيب، ولكن القلوب هي التي تتفاوت في استقبال ذلك النور.

فكلما أفرغت قلبك مما سواه، ملأه الله مما عنده. وكلما خففت عن روحك أثقال الدنيا، شعرت بخفة القرب منه سبحانه. وكلما أقبلت عليه صادقاً، وجدت أنه كان أقرب إليك مما كنت تظن. واجعل أعظم مشروع في حياتك إصلاح قلبك؛ لأن القلب إذا صلح استقامت الرؤية، وهدأت الروح، واطمأنت النفس، وأشرقت الحياة كلها بنور الله.

وما أسعد الإنسان حين يمشي في هذه الدنيا بقلبٍ ممتلئ بالله، لا تكسره الأحداث، ولا تستعبده كلمات الناس، ولا تُطفئ نورَه تقلّبات الأيام؛ فإذا لقي ربَّه لقيه بقلبٍ سليم يقول تعالى «إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» الشعراء: 89، وعرف حينها أن أجمل رحلةٍ في عمره لم تكن إلى مكانٍ من الأمكنة، بل كانت الرحلة من نفسه إلى ربّه. ورد عن الإمام الجواد أنه قال: «القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.» والحمد لله رب العالمين.