آخر تحديث: 10 / 6 / 2026م - 9:07 م

كتابة بالدموع.. تشارلز ديكنز

يوسف أحمد الحسن * مجلة اليمامة

يعد الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز واحدًا من الكتاب الذين يتفاعلون مع شخصيات روايتهم حد الاندماج، إلى جانب قدرتهم على جعل القراء يتماهون معهم في علاقتهم بهذه الشخصيات.

فقد أصدر هذا الكاتب «1812-1870 م»، الذي يعد من أعظم الكتاب الذين أثَّروا في عصره، عددًا من الكتب التي تركت بصمات واضحة في عالم الرواية.

وقد عرف عن تشارلز بأنه كان لا يكتفي بالكتابة العادية بل يتجاوزها في الغالب إلى ما يسمى الكتابة التعاطفية «الانفعالية»، بحيث يعيش الدور الذي يكتب عنه وكأنه يقوم بتمثيله على المسرح، وهو السر الذي خلق تعاطفًا كبيرًا مع كتاباته وجعل له قبولًا كبيرًا في أوساط قُرائه إلى يومنا هذا، إلى جانب صدق مشاعره ودقة عباراته وقوة خياله.

ومن أهم رواياته التي حظيت بتفاعل كبير في الأوساط الشعبية وقت صدورها كتاب «متجر الفضول القديم»، ويسمى كذلك حانوت العتيقات «The Old Curiosity Shop»، وأهم شخصية في هذه الرواية شخصية البنت الصغيرة الطيبة نيل، التي تعيش مع جدها في ذلك المتجر القديم، حيث تمر بمعاناة كبيرة، ثم تموت موتًا هادئًا ومؤثرًا.

وكان تشارلز ينشر روايته على حلقات في مجلة كان يصدرها، وكان الناس يتابعونها كما يتابع الناس اليوم بعض المسلسلات التلفزيونية. لكنه حين اقترب من المشهد الذي يصف فيه موت نيل أصبح يتأخر في الكتابة؛ لأنه كان يجد صعوبة في ذلك؛ نظرًا لتفاعله وتأثره بما يكتب وانخراطه في البكاء؛ وهي الحالة التي عبر عنها لصديقه الحميم جون فوستر حين أخبره بأنه مصاب بالأرق وحزين ومكتئب وشبه ميت، وبأنه لا أحد سيفتقد نيل مثله! وهو لا يستطيع أن يكمل الرواية ولا يستطيع أن يتركها! حيث كان يشعر وهو يكتب القسم الذي يتحدث فيه عن موتها بأنه يقتل إحدى بناته الحقيقيات! رغم أن البعض يعيد ذلك إلى تذكره لجرح عاطفي قديم مع حبيبة قديمة له، فكان كمن ينكأ جراحه بنفسه.

ولم يقف الأمر عند تأثره هو، بل جر معه تأثر قرائه بشكل عجيب، حتى قيل إن آلاف القراء كانوا ينتظرون أحداث روايته بترقب كبير؛ وعندما نشر حلقة موتها بكى عليها الجمهور الفيكتوري، وبكى البريطانيون عليها في الشوارع والمقاهي، وقيل إن النساء لبسن السواد بعد قراءتهن للحلقة وكأن شخصًا حقيقيًّا قد مات.

أما في الولايات المتحدة فقد تجمع آلاف القراء الأمريكيين على أرصفة نيويورك لكي يعرفوا من السفن القادمة من بريطانيا مصير «نيل» بطلة روايته، صارخين: هل ماتت نيل؟ وحين علموا بذلك بكوا عليها في الشوارع. وحتى بعض الكتاب من أنحاء العالم بكوا حينها عليها.

ولم تكن هذه الرواية الوحيدة التي بكى فيها ديكنز على أحداث يكتبها، فقد بكى أيضًا في رواية «قصة مدينتين»، ورواية «نهاية توقعات عظيمة»، وكان شعاره دائمًا: إذا لم يبك الكاتب أثناء الكتابة؛ فلن يبكي القارئ أثناء القراءة. وهو السر الذي يجعل شخصيات رواياته حية إلى اليوم.