آخر تحديث: 9 / 6 / 2026م - 9:07 م

موضة الوظائف

أحمد مكي الجصاص *

في كل مرحلة زمنية تظهر وظيفة تتحول إلى حديث المجالس ومنصات التواصل الاجتماعي، بالأمس كان الجميع يريد العمل في الطب والبنوك، ثم أصبحت الهندسة حلمًا واسع الانتشار، وبعدها اتجهت الأنظار نحو التقنية والبرمجة، واليوم يتسابق كثيرون نحو تخصصات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، وبين هذه الموجات المتلاحقة، يضيع سؤال مهم: هل هذا المجال يناسبني فعلًا أم أنني ألاحق ”موضة الوظائف“ فقط؟

اقتصاديًا، لا يمكن إنكار أن أسواق العمل تتغير باستمرار، فبحسب تقرير ”مستقبل الوظائف 2025“ الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن نحو 22% من الوظائف العالمية ستشهد تغيرات كبيرة بحلول عام 2030، نتيجة التطورات التقنية والتحولات الاقتصادية، كما أشار التقرير إلى أن ملايين الوظائف الجديدة ستنشأ خلال السنوات المقبلة، بينما ستتراجع وظائف أخرى أو تختفي تدريجيًا.

هذه الأرقام تدفع كثيرًا من الشباب إلى محاولة اللحاق بالوظائف الأكثر طلبًا، وهو أمر مفهوم ومنطقي إلى حد ما، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح اختيار المسار المهني مبنيًا بالكامل على ما يفعله الآخرون، لا على ما يتوافق مع قدرات الفرد وميوله الحقيقية.

في السعودية تتسارع التحولات الاقتصادية في ظل مستهدفات ”رؤية المملكة 2030“، ما أدى إلى نمو قطاعات واعدة مثل التقنية والسياحة والخدمات اللوجستية والصناعات المتقدمة والطاقة المتجددة، هذه التغيرات فتحت أبوابًا واسعة للفرص، لكنها في الوقت نفسه رفعت أهمية اتخاذ قرارات مهنية مدروسة بعيدًا عن التقليد الجماعي.

النجاح المهني لا يتحقق بمجرد دخول المجال الأكثر شهرة أو الأعلى دخلًا، فكم من شخص التحق بتخصص مطلوب في السوق ثم اكتشف بعد سنوات أنه لا يستمتع به، وكم من شخص اختار مجالًا يتوافق مع شخصيته وقدراته فحقق فيه نجاحًا لافتًا رغم المنافسة والتحديات.

الحقيقة التي تؤكدها تجارب سوق العمل هي أن الأداء المتميز يولد عادة من نقطة التقاء ثلاثة عناصر: الميول، والمهارة، واحتياج السوق، فإذا غاب أحد هذه العناصر، يصبح الاستمرار أكثر صعوبة، فقد يكون السوق بحاجة إلى تخصص معين، لكن من دون شغف أو استعداد حقيقي للتعلم والتطور، يتحول العمل إلى عبء يومي بدل أن يكون فرصة للنمو.

ولهذا السبب، لا ينبغي للشباب أن يسألوا فقط: ”ما الوظائف المطلوبة؟“، بل يجب أن يسألوا أيضًا: ”ما الذي أجيده؟ وما الأعمال التي أستمتع بممارستها؟ وما المهارات التي أمتلك القدرة على تطويرها لسنوات طويلة؟“، فالإجابة عن هذه الأسئلة غالبًا ما تكون أكثر قيمة من متابعة قوائم الوظائف الأعلى راتبًا.

في النهاية موضة الوظائف تتغير كما تتغير اتجاهات الأسواق والتقنيات، لكن معرفة الإنسان لنفسه تبقى استثمارًا طويل الأجل، قد تتبدل أسماء المهن وتظهر تخصصات جديدة وتختفي أخرى، إلا أن الشخص الذي يفهم قدراته ويعرف ميوله الحقيقية سيكون أكثر قدرة على التكيف مع أي تحول اقتصادي أو مهني، فالوظائف الرائجة قد تجذب الانتباه، لكن المهنة المناسبة هي التي تصنع النجاح المستدام.

مستشار الموارد البشرية