آخر تحديث: 9 / 6 / 2026م - 9:15 م

الحياء تاج المرأة المؤمنة… وسر سموها بين الطهر والعفة

ناجي وهب الفرج *

ليس الحياء انكماشًا يقيد الروح، ولا ظلًّا يثقل الخطى، بل هو نور داخلي يهب المرأة وقارها، ويمنح حضورها هيبة هادئة تشبه السكينة إذا استقرت في القلب. هو حالة من التوازن الدقيق بين العاطفة والعقل، بين ما يُحس وما يُضبط، حتى تغدو المرأة في ظله أقرب إلى صفاء النفس ونقاء السريرة.

وفي ميزان القرآن الكريم، يتجلى الحياء بوصفه سلوكًا حيًّا لا مجرد فكرة، إذ يقول الله تعالى في وصف ابنة نبي الله شعيب :

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص: 25]،

فلم يصفها القرآن بكلمة، بل رسم ملامحها في المشي والنظر والهيئة، ليجعل من الحياء حركة مرئية تترجم نقاء الداخل وصدق الإيمان.

وفي موضع آخر، يربط القرآن بين تزكية النفس والفلاح الحقيقي، فيقول تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: 9-10]،

والحياء أحد أعظم أدوات هذه التزكية، لأنه يطهّر الباطن من الفوضى، ويهذب الظاهر من التبذل، ويصوغ الإنسان في قالب الكرامة.

أما في السنة النبوية الشريفة، فقد ارتفع مقام الحياء حتى جعله النبي ﷺ علامة خير مطلق، فقال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» [صحيح البخاري ومسلم]، وقال أيضًا: «الحياء شعبة من الإيمان» [متفق عليه].

فصار الحياء ليس سلوكًا اجتماعيًّا فحسب، بل جزءًا من بنية الإيمان، كلما ازداد رسوخًا في القلب ازداد الإنسان قربًا من الله.

وعند أهل البيت يتعمق هذا المعنى أكثر، فيقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : «على قدر الحياء تكون العفة».

فالعفة ليست منفصلة عن الحياء، بل هي ثمرة له، فإذا استقر الحياء في النفس أثمر ضبطًا للسلوك وصيانة للكرامة.

ويقول الإمام جعفر الصادق : «لا إيمان لمن لا حياء له»، في إشارة واضحة إلى أن الحياء ليس كمالًا إضافيًّا، بل هو حد أدنى لسلامة الإيمان، وغيابه مؤشر على اضطراب الباطن.

ومن هنا تتجلى صورة المرأة المؤمنة في أبهى معانيها؛ امرأة لا تفرض حضورها بالصخب، بل تفرض احترامها بالوقار. تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تظهر عاطفتها ومتى تحفظها، فتسير في الحياة وكأنها تحمل في داخلها ميزانًا دقيقًا يزن كل شعور قبل أن يتحول إلى فعل.

إنها ليست امرأة منغلقة، ولا منعزلة عن الحياة، بل امرأة واعية تحسن إدارة مشاعرها، وتجيد حماية قلبها من التشتت، وتبني حضورها على أساس من الطهر الداخلي الذي ينعكس نورًا على كل ما حولها.

وهكذا يصبح الحياء في المرأة المؤمنة ليس قيدًا يفرض عليها، بل قيمة تحررها من الابتذال، وترفعها إلى مقام من الجمال الروحي الذي لا تبلغه المظاهر وحدها، بل تصنعه النفوس التي عرفت الله فاستحيت منه حقَّ الحياء.

المصادر:

• القرآن الكريم.

• صحيح البخاري، كتاب الأدب - باب الحياء.

• صحيح مسلم، كتاب الإيمان - باب بيان شعب الإيمان.

• نهج البلاغة: حكم الإمام علي بن أبي طالب .

• الكافي، الشيخ الكليني - كتاب الإيمان والكفر، باب الحياء.
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية