آخر تحديث: 9 / 6 / 2026م - 9:07 م

العلم أولًا ودائمًا

محمد المحفوظ *

قال الرسول الأكرم ﷺ: «هلاك أمتي في ترك العلم».

قال الإمام علي : «اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة» [1] 

المقدمة:

على المستوى الإنساني لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق ذاته الحضارية بدون العلم؛ فهي وسيلته لنيل التقدم وإنجاز المكتسبات الحضارية.

فالجهل هو عدو الحضارة، والعلم هو طريق الحضارة وبدونه لا يمكن لأي مجتمع إنجاز تقدمه وحضارته.

لذلك جاء في الحديث الشريف: «اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة»؛ لذلك لا يمكن أن توجد جماعة بشرية قوية، بدون موارد علمية وثقافية متميزة.

وثمة نظرة فلسفية قديمة مفادها أن الطبيعة البشرية قائمة على الفصل الحاد بين العقل والجسم، واعتبرت العقل أو النفس أو الروح من عالم علوي يتصف بالخير والثبات، واعتبرت الجسم من عالم سفلي يتصف بالشر والتغير.

ومن جراء هذه النظرة الفلسفية تم الإعلاء من شأن العمل العقلي، وتحقير كل ما يتعلق بالجسم والأعمال الجسدية.

تشكلت دولتان في العالم القديم على ضوء هذه الثنائية: دولة أثينا تعلي من شأن العقل والفلسفة، ودولة إسبرطة تعلي من شأن الجسم والقوة العسكرية.

النظرة الفلسفية الحديثة ألغت هذا الفصل بين العقل والجسم، واعتبرت الإنسان كلًا لا يتجزأ جسمًا وعقلًا ووجدانًا.

الشباب: ثروة الوطن الدائمة

كل الأمم والشعوب تتطلع باستمرار، إلى تجديد شبابها وحيويتها، حتى يتسنى لها الوصول إلى غاياتها والحفاظ على منجزاتها ومكاسبها. وتتعدد وتتنوع وسائل وأساليب تجديد شباب الأمم والمجتمعات، باختلاف الظروف والأحوال؛ إلا أن جميع الأمم والشعوب، بصرف النظر عن ظروفها وأحوالها، تعتقد أن إحدى الوسائل الهامة لإنجاز وتحقيق هذه الغاية النبيلة هو الاهتمام النوعي والمؤسسي بجيلها الشاب. فهو إحدى الوسائل الحيوية لمشروع تجديد شباب المجتمع، كما أنه إحدى الغايات النبيلة لأي مجتمع؛ حيث تعمل جميع المجتمعات «بتفاوت» من أجل بناء المؤسسات والقيام بالخطوات الضرورية للاهتمام بالجيل الشاب.

ونحن كمجتمع لا نشذ عن هذا السياق، ونعتقد أننا باستمرار بحاجة ماسة إلى الالتفات إلى المشروعات الوطنية الخاصة بهذه الفئة الهامة والحيوية من مجتمعنا.

وذلك للعمل المستديم لخلق الأطر الفعالة لاستيعاب هذا الجيل، والعمل على توفير كل أسباب وعوامل التميز والنجاح في مسيرته.

ومعايير ومقاييس تقدم المجتمعات والأمم، مرهونة إلى حد بعيد بمدى قدرة هذه المجتمعات، على توفير الأطر والقيام بالمبادرات والخطوات الضرورية للاهتمام النوعي بجيلنا الشاب.

وثمة ضرورة راهنة ومستقبلية في وطننا ومجتمعنا، للاهتمام بهذا الجيل، والإنصات إلى حاجاته ومتطلباته، والعمل الرسمي والأهلي لتلبية هذه الحاجات والمتطلبات.

ولا يكفي اليوم أن نفتخر بأن أكثر من نصف مجتمعنا من الشباب، وإنما الفخر الحقيقي هو حينما نبني المؤسسات ونطور من عمليات الاستيعاب والاهتمام، بهذه الشريحة الهامة من مجتمعنا؛ فشباب الوطن اليوم، هم مستقبله القادم. وإذا أردنا القبض على مستقبلنا، فطريق ذلك هو الاهتمام بشبابنا وتلبية حاجاتهم والإنصات إلى مطالبهم ومتطلباتهم، والعمل الجاد من مختلف المواقع والمسؤوليات لتذليل كل العقبات التي تحول دون مشاركة شباب الوطن في مشروعات البناء والعمران والتنمية والتطوير.

وفي إطار ضرورة الإنصات إلى الشباب، والاهتمام بقضاياهم المختلفة، نود التأكيد على النقاط التالية:

1- الاهتمام بالتربية:

فحينما ندعو إلى ضرورة الإنصات إلى الشباب، فإننا ندعو إلى ضرورة قيام المبادرات الاجتماعية والتربوية، التي تعتني بالشباب عقلًا وسلوكًا.

فإن بذل الجهود المستمرة للاهتمام بتربية الشباب وصقل مواهبهم، وتفجير طاقاتهم، وتهذيب بعض التصرفات التي لا تعكس وجه مجتمعنا المضيء، كلها أعمال تستحق الاهتمام وبذل الجهود من أجل إنجازها؛ لأن المجتمعات الإنسانية، لا يمكنها أن تتقدم وتنجز تطلعاتها العامة والحضارية، بدون الاهتمام بالبعد التربوي في حياة الإنسان؛ وذلك لأن هذه التربية، هي الجسر الصلب الذي ينقل الإنسان من حالة الهامشية إلى تحمل المسؤولية.

لهذا فإننا أحوج ما نكون اليوم، إلى مبادرات اجتماعية وثقافية تقوم بدور التهذيب الاجتماعي وتطوير نوازع الخير في نفوس الأجيال الطالعة.

2- تنمية حس العطاء:

لا أحسب أني بحاجة إلى جهد جهيد لإثبات أهمية العطاء بكل صوره ومستوياته لتقدم الأمم والشعوب؛ حيث إنَّ البذل والعطاء المادي والعقلي والاجتماعي والمعنوي هو جسر العبور لتطور المجتمعات وتقدمها.

ومفهوم العطاء في الرؤية الإسلامية، يستوعب كل الحاجات التي يحتاجها الإنسان «الفرد والجماعة» في أطوار حياته المختلفة.

لهذا فإننا بحاجة إلى بذل كل الجهود من أجل غرس قيم العطاء والبذل والتضحية في نفوس الشباب والأجيال الطالعة. ونهيب بجميع المؤسسات والمبادرات الاجتماعية، للاهتمام بهذه المسألة؛ لأنه حينما تتعزز قيم العطاء في نفوس أبناء المجتمع، فإن مساحة العاملين في الشأن العام، ستتسع، وهذه من عناصر القوة التي ينبغي أن نعززها في محيطنا ومجتمعنا.

ولقد أبان شباب الوطن في مناسبات عديدة، عن استعداداتهم النفسية والاجتماعية للمساهمة في تطوير الوطن والمجتمع من موقع العلم والتخصص.

إذ إننا اليوم على الصعيد الوطني، نمتلك آلاف الكفاءات الشبابية النوعية، والتي تطمح إلى خدمة وطنها ومجتمعها من خلال التخصصات العلمية التي تمتلكها.

لهذا فإن الاستماع إلى الشباب، والعمل على توفير الفرص الوطنية بشكل دائم لهم يعد من الضرورات الوطنية القصوى، حتى يتسنى لهم خدمة وطنهم وتعزيز اقتصاده وتطوره الحضاري.

وبمقدار ما نعطي الشباب من اهتمام ورعاية واحتضان، بذات القدر نتمكن من توظيف طاقاتهم المختلفة لصالح الوطن والمجتمع.

فالشباب في كل المجتمعات والأوطان، هم عنصر الحيوية والفعالية، لذلك تعتني المجتمعات المتقدمة بمشروعات الاستيعاب والرعاية لهذه الفئة والشريحة، حتى لا تضيع هذه الحيوية والفعالية في أمور تافهة أو في قضايا ليست ذات قيمة حضارية.

وتعلمنا تجارب المجتمعات المتقدمة، أن قوتها الحقيقية في مواردها الإنسانية قبل مواردها الطبيعية والاقتصادية، لذلك من الأهمية أن تتوجه الجهود والإمكانات لتطوير هذه الموارد وتوفير المناخ الملائم لمشاركتها في شؤون الوطن والمجتمع.

ووفق هذه الرؤية، نحن ندعو ونحث الجميع «مؤسسات رسمية وأهلية وفعاليات مجتمعية» إلى الاهتمام بشريحة الشباب، والعمل على خلق الأطر والبرامج المختلفة القادرة على استيعابهم والاستفادة من فعالياتهم وحيويتهم.

فالشباب هم ثروة الوطن الدائمة، فتعالوا جميعًا نحافظ على هذه الثروة، ونطور من أوضاعها وإمكاناتها.

وخلاصة القول: إننا ندعو إلى تكثيف الاهتمام والرعاية بالجيل الطالع، ونحث الجميع «كلٌّ من موقعه» إلى بلورة صيغة ومبادرة، تستهدف استيعاب طاقات شبابية جديدة في الأعمال والأنشطة الوطنية المختلفة.

الإنسان: أولًا ودائمًا

لعل من البديهي القول إنَّ العالم يسير من حولنا بخطى سريعة في مضمار التقدم العلمي والتقني. ولهذا لا يمكننا نحن العرب والمسلمين، أن نقف مكتوفي الأيدي أمام عمليات النمو والثورة المعرفية والمعلوماتية، وسيادة الغير على مجريات الأمور في العالم كله.

ولا يمكن في المقابل أيضًا الاعتماد على حركة التطور الطبيعي التلقائي، لأن ذلك يوسع من الهوة، التي تفصلنا عن العالم المتقدم. فلا بد من الإسراع في ترتيب أمورنا بالأسلوب العلمي والحضاري حتى لا نفقد موقعنا الدولي ودورنا الحضاري.

ولعل من أولويات الترتيب أن تكون طبيعة الخطوات والمعالجات، التي نقترحها لإنهاء الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم.

إذ إنَّ انحباسنا في الطرق أو الأطر التقليدية والجزئية، لا يؤدي إلى تطور نوعي في مسيرتنا وإنما يجعلنا نراوح في ذات المكان.

إذ إنَّ التطور الرهيب الذي يجري في العالم اليوم، يلزمنا جميعًا باختيار الطرق والأساليب والمعالجات ذات الطابع الحضاري الذي ينسجم وتطورات العالم المتلاحقة.

والذي يؤكد ضرورة اختيار المعالجات الحضارية لواقعنا العربي والإسلامي حقيقتان هما:

الحقيقة الأولى: أن الأمة «أي أمة» لا يمكنها اليوم أن تنجز تطلعاتها وتحقق طموحاتها بدون البعد الحضاري في عمليات التطوير والنهوض بواقعها؛ وذلك أن قوة التطوير والنهوض لا تكتمل وتأخذ مداها الحيوي إلا بالعقلية الحضارية والبعد الحضاري في طرق المعالجة واختيارات العمل والتطوير.

الحقيقة الثانية: أن واقعنا العربي والإسلامي يعاني من أزمة حضارية، تأخذ أبعادًا متعددة في مختلف الحقول والمجالات. ولهذا نجد أن أغلب الحلول والمعالجات التي انطلقت من وعي منقوص لا يدرك عمق المشكلة الحضارية التي يعانيها الواقع العربي فشلت في استئصال تلك المشكلات؛ وذلك لأنه لا يمكن معالجة مشكلات ذات طابع حضاري بأساليب ووسائل لا ترقى في مستوى عملها ومدى تأثيرها إلى عمق المشكلة المتوفرة في الواقع. لهذا من الأهمية بمكان إعادة النظر في الأساليب والوسائل التقليدية التي يستخدمها المجتمع العربي والإسلامي، للخروج من محنته وتجاوز المشكلات التي تحول دون سيطرته على مصيره ومستقبله.

فالواقع العربي بتعقيداته المتشابكة، ومشاكله المتعددة يحتم علينا ضرورة إعطاء الأولوية إلى المشروعات الحضارية التي تتجاوز صغائر الأمور، وتوافه القضايا، وتوجه الإمكانات والطاقات، نحو تلك المشروعات الحضارية التي ترفع من مستوى الإنسان وتبلور كفاءاته وتصقل مواهبه.

والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو: ماذا يعني البعد الحضاري في الواقع العربي؟

الإنسان أولًا:

فأول ما يعنيه البعد الحضاري في الواقع هو أن تكون كل اهتماماتنا وجهودنا وطاقاتنا متجهة نحو الإنسان وبناء كفاءاته وتطوير مواهبه. فمشروعات التنمية الاقتصادية ينبغي أن تتجه أولًا إلى الإنسان لرفع مستوى أدائه ووعيه الاقتصادي، كما أن مشروعات التنمية الثقافية ينبغي أن تعطي الأولوية إلى الإنسان فهو قطب الرحى، ومحور وركيزة كل المشروعات والتطلعات.

والفرق الجوهري في هذا المجال، بين المعالجات التي تنطلق من وعي حضاري وغيرها من المعالجات أن الأخيرة تستمر في اللهاث وراء المظاهر والشكليات والمعايير الكمية لا تغير إلا ظاهر الأمور، بينما المعالجة الأولى تتفاعل بوعي مع الراهن وتدرس معطياته، وتسعى نحو التأثير فيه بل صنعه، وفي ذات الوقت لا تنسى أبعاد العمل الأخرى، بل تمارسها وتتفاعل معها بنفس المستوى والاهتمام؛ وذلك لأن الإنسان هو الرأسمال الحقيقي لأي مجتمع ووطن. إذ إنَّ كل مشروعات الوطن بحاجة إلى ذلك الإنسان الكفء والقادر على إدارة ورش العمل ومشروعات التنمية المختلفة.

الاهتمام بمشروعات البناء:

ثمة ميزة أساسية تميز نمط التعاطي مع الشؤون العامة انطلاقًا من وعي وإدراك حضاري عن غيرها من الأنماط الكلاسيكية.

وهي أن الوعي الحضاري يعلي من شأن المشروعات ذات الطابع البنائي، ويبتعد بكل إمكاناتها وقدراتها عن تلك المشروعات التي تعطي الأولوية إلى الهدم وتقويض القائم من الأمور والقضايا. وإن حضور البعد الحضاري يعني إعطاء الأولوية إلى تلك المشروعات التي تقدم للإنسان ربحًا وتذلل له عقبات في طريقه وتزيل من مساره كل القضايا التي تمنع بناء المؤسسات ومشروعات البناء في المجتمع.

إننا بحاجة أن نولي أهمية قصوى، إلى تلك المشروعات التي تشعل شمعة بدل أن تلعن الظلام، وإلى تلك المشروعات التي تعتني ببلورة البديل أكثر من تلك المشروعات التي تصف الداء فقط؛ وذلك لأن التقدم لا يتحقق إلا بمشروعات البناء.

وبدون البناء وخلق البدائل، لا يمكن أن ينجز التقدم حتى لو كانت توصيفاتنا وتشخيصاتنا للواقع سليمة.

فمربط الفرس في هذا الإطار هو قدرة المجتمعات العربية والإسلامية، على بلورة وخلق البدائل والانخراط في مشروعات البناء والتطور المنسجمة مع خصوصيات هذه المجتمعات.

وإن استمرارنا في لعن الغرب وشتم العدو الخارجي لا ينهي مشاكلنا ولا يوصلنا إلى ما نتطلع إليه.

إننا بحاجة أن نسند رؤيتنا بواقع وحقائق منسجمة مع تلك الرؤية، وهذا هو ما نقصده بالعناية بمشروعات البناء.

وحتى نصل إلى هذا المستوى، نحن بحاجة دائمًا وأبدًا أن نعتني بالإنسان ونعتبره على المستوى الفعلي وليس النظري فقط هو محور كل المشروعات وقطب الرحى في كل عمليات التقدم والتطور. فجوهر التقدم يكمن في تقدم الإنسان. فلا يفيدنا شيئًا أن نستورد كل أشكال وسلع التقدم، ولكن إنساننا متخلف ولا يمتلك المؤهلات الكافية للتعامل الحضاري مع هذه السلع. فالأولوية دائمًا تكون للإنسان لأنه هو الوحيد الذي يتمكن من خلق حقائق التقدم في الواقع المجتمعي. والرؤية الحضارية تقتضي تنمية الإنسان وتطوير كفاءاته ومواهبه، وكلما تمكن المجتمع عبر مؤسساته ومشاريعه، من تنمية إنسانه كانت فرص تقدمه عظيمة ومواتية.

فحجر الزاوية في كل مشروعات التنمية والبناء، هو الإنسان. لذلك ينبغي أن تتوجه إليه كل الإمكانات والطاقات والقدرات. والمهمة الكبرى والمسؤولية العظمى التي ينبغي أن يشارك في تأديتها الجميع، هي تنمية الإنسان وتأهيله في مختلف المجالات والحقول.

دعوة للتفكير

ثمة حقيقة أساسية ينبغي أن ننطلق منها، وهي أن قوة أي مجتمع لا تقاس بمدى ما يمتلك من قدرات مادية أو سلع استهلاكية، وإنما بمستوى استقراره النفسي ونظام العلاقات الداخلية الذي يربط بين مختلف مكونات المجتمع.

فحينما يكون نظام العلاقات الداخلي يشرع للقطيعة والجفاء والتباعد، فإن قوة المجتمع تتراجع لغياب الترابط العميق بين أبنائه ومكوناته، أما إذا كانت العلاقات الداخلية قائمة على الاحترام المتبادل والفهم والتفاهم وحسن الظن، فإن هذا المجتمع يتمكن من حماية نفسه ومكتسباته من كل الأخطار والتحديات. والذكر الحكيم يحذر من جملة عناصر أن تسود في مجتمعنا، وذلك لأن هذه العناصر تنخر قوته وتشتت مكوناته وتباعد بين أبنائه. إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [الحجرات: 12].

فالانطباعات التي نحملها عن بعضنا البعض، ينبغي أن تكون منسجمة مع توجيهات قيم الإسلام العليا، التي تدعونا إلى اجتناب الظن. وإن انطباعاتنا ومواقفنا تجاه الآخرين ينبغي أن تكون مستندة ومنطلقة من أدلة وبراهين دامغة. والآية الكريمة تحذرنا جميعًا من تشكيل قناعاتنا ومواقفنا من الآخرين من خلال الشائعات أو الحدس أو سوء الظن والتخرصات.

فالمطلوب دائمًا وفي كل الأحوال: إزالة كل الرواسب والعناصر التي لا تؤدي إلا إلى تضعضع البناء الاجتماعي. لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية تحثنا على حسن الظن والاحترام العميق للآخر شخصًا وفكرًا ووجدانًا؛ حيث جاء في الحديث الشريف: «ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا» «الكافي الجزء 2، ص 352». فالقوة الحقيقية في المجتمعات، تقاس بمستوى العلاقات والروابط بين فئات ومكونات المجتمع الواحد. فإذا كانت العلاقة سيئة، سلبية، قائمة على سوء الظن والاتهام والكراهية والحقد، فإن هذا المجتمع حتى لو امتلك العديد من الإمكانات والثروات، فإنه لن يتمكن من بناء قوته على أسس صلبة وعميقة. أما إذا كانت العلاقة بين مكونات المجتمع الواحد، قائمة على الاحترام والتفاهم والمحبة وحسن الظن فإن هذا المجتمع سيتمكن من بناء قوته على أسس صلبة وعميقة. ولن تتمكن تحديات الواقع ومخاطره من النيل من أمن واستقرار هذا المجتمع.

من هنا فإننا ينبغي باستمرار أن نولي أهمية فائقة وقصوى إلى طبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع الواحد، ونعمل باستمرار على فحص هذه العلاقة، والسعي المتواصل لتنقيتها من كل الرواسب والشوائب التي تؤزم العلاقة وتدخلها في نفق غياب الوئام والتفاهم المتبادل.

لذلك فإن الأولوية الكبرى اليوم هي في تصليب وحدتنا الاجتماعية والوطنية، وذلك حتى نتمكن من مواجهة التحديات وتجاوز المخاطر التي تواجهنا في هذه اللحظة التاريخية العصيبة. وهذا لا يتأتى إلا بنظام علاقات داخلية بين مكونات المجتمع والوطن على أسس أخلاقية ودينية ووطنية، نتمكن من خلالها من إزالة كل العناصر المسيئة للعلاقة الإيجابية بين مكونات المجتمع والوطن الواحد. وهذا يلزمنا جميعًا بإطلاق مشروع حوار دائم ومتواصل بين مختلف الشرائح والمكونات، حتى نتمكن جميعًا من تطوير مستوى التفاهم بين مكونات المجتمع. وإن الخلاف في القناعات والآراء والمواقف ينبغي ألا يدفعنا إلى أن نغلق أبواب الحوار. بل على العكس من ذلك، حيث إنَّ وجود الخلافات بمختلف مستوياتها، ينبغي أن يدفعنا إلى الحوار المستديم والتواصل الإنساني الذي يساهم في تعريف بعضنا البعض بأفكارنا وقناعاتنا.

فالخلاف وتباين وجهات النظر بين أبناء المجتمع والوطن الواحد، لا يشرع للجفاء والقطيعة، وإنما يحفزنا للمبادرة للانخراط في مشروع الحوار والتواصل، حتى نحافظ على أمننا واستقرارنا السياسي والاجتماعي. فقوتنا مرهونة بوحدتنا، ووحدتنا بحاجة إلى تنظيف بيئتنا ومناخنا وفضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي من كل الشوائب والأوساخ المعنوية، التي تفرق بين أبناء المجتمع الواحد، وتبني حواجز نفسية وعملية تحول دون التفاهم والتلاقي. إننا اليوم لا نتمكن من إزالة رواسب الواقع السيئة، إلا بإزالة شوائب النفوس وأحقادها وأغلالها، لأنها هي التي تنتج باستمرار حقائق البغضاء والكره والتنافر. فليبدأ كل إنسان من نفسه، ويعرض قناعاتها ومواقفها وأوضاعها على قيم الوحدة والألفة والمحبة، ويعمل بإرادة مستديمة على طرد كل العناصر السيئة التي قد تعشعش في نفسه وتحوله إلى كائن يمارس الحرب بكل صنوفها تجاه الآخرين. ف «أزل الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك» «نهج البلاغة، الحكمة 175». فأمننا واستقرارنا ووحدتنا، بحاجة إلى ألفتنا ومحبتنا لبعضنا البعض وتجاوز حقيقي لكل إحن الماضي وسيئات الواقع.

وهذا بطبيعة الحال، لا يتأتى إلا بحوار داخلي عميق ومتواصل بين مكونات المجتمع المتعددة، حوار لا يتجه إلى المساجلة والمماحكة، وإنما إلى الفهم والتفاهم. حوار لا يشرع للقطيعة والتباعد، وإنما يؤسس للتلاقي وتنمية المشترك الديني والوطني والإنساني. حوار لا يجامل ولا يداهن، ولكنه يؤسس للاحترام والاعتراف بالآخر دون التعدي على حقوق الآخرين وقناعاتهم ورموزهم وشخصياتهم.

إننا أحوج ما نكون اليوم، للخروج من إحن الماضي، والانعتاق من أسر التخلف، والتحرر من الانطباعات المسبقة والمواقف الجاهزة التي تبرر لنا جميعًا الفرقة والتشتت، وتؤسس للحقد والكره.

إن الأمن الاجتماعي والوطني اليوم، بحاجة إلى كل خطوة ومبادرة، تتجه صوب الآخر وتنسج علاقات إيجابية معه، على أسس الحق والعدالة والمساواة. إننا نفهم معنى الوحدة في المجتمع الوطني، من خلال فهم معنى التلاقي والاحترام والتفاهم بين شرائح المجتمع ومكونات الوطن. فالوحدة ليست مجرد شعار ويافطة، هي رسالة ينبغي أن تتجسد في واقعنا، ولا يمكنها أن تتجسد وتبنى إلا بالحوار والتلاقي والتواصل والتفاهم والاعتراف بالآخر المختلف والمغاير. إننا ينبغي أن نبني إنسانيتنا وأوضاعنا على أساس ألا نعيش الظلم والانحراف في أنفسنا وعلاقاتنا بالآخرين؛ لأن هذه هي بوابة الوحدة والأمن والاستقرار. وحينما نمارس العسف والظلم بحق المختلفين معنا في الرأي والفكر، فإننا في حقيقة الأمر ندق إسفينًا خطيرًا في البناء الوطني والاجتماعي، فالاختلاف مهما كان شكله ونوعه، لا يبرر للإنسان ممارسة العسف والظلم تجاه المختلف معهم.

وعوامل الاختلاف وأسبابه، لا تنتهي وتندثر من ممارسة الظلم والعسف، بل على العكس من ذلك تمامًا، إذ إنَّ هذه الممارسات تزيد الاختلافات اشتعالًا، وتدخلها في دوائر جديدة تهدد أمن الجميع واستقرارهم. وقد آن الأوان بالنسبة لنا جميعًا لفك الارتباط بين الاختلاف والشحناء والبغضاء.

فالاختلاف في الرأي والفكر والموقف، لا يبرر بأي شكل من الأشكال ممارسة الحقد وشحن النفوس بالبغضاء والكراهية. وقيم الدين والأخلاق الإنسانية، لا تقر هذه الممارسات والمواقف، التي تنطلق من رؤية ضيقة وموتورة للاختلافات والتنوعات المتوفرة في عالم الإنسان. فالباري عز وجل يوجهنا إلى القول الحسن الذي ينطلق من نفس تحمل الحب والخير كله للآخر. إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا [الإسراء: 53]. فلنقتلع الكره والبغض من عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا، حتى نتمكن من تطهير واقعنا الاجتماعي من كل الأمراض والأوساخ، التي تضر حاضرنا وتهدد مستقبلنا.

وحتى ينجح الحوار الوطني، ويؤتي ثماره الوطنية المرجوة، فإنه بحاجة إلى توفير الشروط الثقافية والمجتمعية التالية:

1- الانخراط في مشروع الإصلاح الثقافي والفكري، لأنه لا يمكن أن ينجح الحوار والتواصل بين مكونات ثقافية تحمل في داخلها وتحتضن في مفرداتها بعض العناصر السلبية في العلاقة والموقف من الآخر. وهنا أوجه دعوتي لكل الأطراف والمواقع لممارسة نقد ثقافي صريح وشجاع لموروثاتنا الثقافية والاجتماعية وبالذات فيما يرتبط بالعلاقة مع الآخر. حيث لا يمكن نجاح الحوار وتفعيل مفرداته في الواقع المجتمعي بدون عملية إصلاح ثقافي وفكري، تتجه إلى مراجعة جادة وجريئة لمواقفنا من الآخر. حيث إننا جميعًا في بعض عناصر ثقافتنا وموروثاتنا الشعبية، نحتضن موقفًا سلبيًا من الآخر المختلف والمغاير. وعملية الحوار الوطني، بحاجة إلى جرأة ونقد ثقافي ذاتي على هذا الصعيد، حتى نتمكن من طرد كل مكونات السلب في رؤيتنا وموقفنا من الآخر. ولا ريب أن النظرة الاصطفائية إلى ثقافاتنا وقناعاتنا المجتمعية، هي التي تحول دون الانخراط الجاد في مشروع النقد والإصلاح.

وبدون عملية النقد والإصلاح الثقافي والفكري، تبقى دعوات الحوار والتواصل قشرية وبعيدة عن المسار المجتمعي الحقيقي. إن الحوار والتواصل بين مكونات المجتمع والوطن الواحد، هي من الخيارات الاستراتيجية التي ينبغي أن نوفر كل الشروط المفضية إلى تجسيده في فضائنا الاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى مشروع إصلاح ثقافي، يتجه إلى إعادة صياغة ثقافتنا الوطنية والاجتماعية على أسس أكثر عدلًا ومساواة واعترافًا بالآخر واحترامًا لكل أشكال وحقائق التنوع المتوفرة في محيطنا الاجتماعي.

ففعالية الحوار الوطني، تتطلب عملية إصلاح ثقافي حقيقي، لطرد كل معوقات وكوابح الحوار من ثقافتنا وفضائنا الاجتماعي. فالإصلاح الثقافي الحقيقي، شرط جوهري ورئيس لنجاح مشروع الحوار الوطني. إذ لا حوار فعالًا بدون نقد عميق لموروثاتنا الثقافية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في تكريس الجفاء والقطيعة بين مختلف مكونات المجتمع.

2- الموازنة بين نقد الذات ونقد الآخر، حيث إنَّ العديد من الناس لا يحسن إلا نقد الآخرين وتحميلهم مسؤولية الفشل والإخفاق في العديد من الأمور والقضايا. بينما حقيقة الأمر أننا جميعًا وبدون استثناء نتحمل مسؤولية واقعنا وراهننا. وإذا أردنا التحرر من هذا الواقع، فعلينا أن نمارس نقدًا لممارساتنا ومواقفنا وأفكارنا، كما نمارس النقد لأفكار الآخرين وممارساتهم ومواقفهم، وحيوية الحوار والتواصل دائمًا تنبع من عملية البحث الحقيقي الذي تبذله جميع الأطراف لمعرفة الحقيقة والوصول إلى صيغ عملية وممكنة وحضارية لإدارة الاختلاف والتنوع المتوفر في الفضاء الاجتماعي. والخطر كل الخطر حينما نحمل الآخر كل شيء ونزكي ذواتنا ونخرجها من دائرة المسؤولية. بينما المطلوب دائمًا وأبدًا محاسبة ذواتنا ومحاكمة قناعاتنا ومجاهدة أهوائنا، وذلك من أجل أن نتحمل مسؤولياتنا على أكمل وجه، لذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: 32].

والحوار الوطني اليوم يتطلب وبإلحاح شديد، من جميع الأطراف والأطياف أن يفحصوا قناعاتهم ويراجعوا أفكارهم ويمارسوا بصدق عملية نقد ذاتي، وذلك من أجل أن نتخلص جميعًا من زوائدنا ومن رواسب التاريخ وأعبائه، وننطلق في بناء غدنا ومستقبلنا بعيدًا عن الإحن والأحقاد والمواقف الجاهزة والمعلبة. ووجودنا الحقيقي سواء على المستوى الخاص أو العام، مرهون بمدى قدرتنا على مساءلة واقعنا ومحاسبة أفكارنا وفحص قناعاتنا باستمرار. ونحن هنا لا ندعو إلى جلد الذات وتحميلها مسؤولية كل شيء، وإنما ندعو إلى الخروج من حالة النرجسية في النظر إلى ذواتنا وقناعاتنا العامة وبالخصوص فيما يرتبط بطبيعة العلاقة والموقف من الآخر.

فلنغسل قلوبنا ونطهر نفوسنا من نوازعها الشريرة والخبيثة، وندخل في رحاب الحوار برؤية وثقافة ونفسية جديدة.

العلم سبيل القوة النوعية

في مختلف التجارب الاجتماعية والتنموية، ثمة موقعٌ مركزيٌ للتعليم بكل صنوفه ومستوياته. فلا يمكن أن تتحقق نهضة اجتماعية أو تطورٌ تنمويٌ أو وطنيٌ، بدون زيادة وتيرة الاهتمام النوعي والاستراتيجي بالتعليم؛ لأنه هو أحد جسور صياغة المستقبل والقبض على أسبابه وعوامله الأساسية.

ولعل من أهم جوانب هذا التعليم، الذي هو بمثابة جسر عبور للتقدم والنهضة في أي مجتمع ووطن، هو جانب التعليم الفني والتقني، الذي يستهدف خلق مهارات وطنية قادرة على تسيير وإدارة دفة التطور التقني والفني في الوطن.

ولا ريب أن التعليم التقني والفني، يعتبر من الموضوعات الهامة التي ينبغي أن نلتفت إليها، ونبحث عن سبل تحقيقها في واقعنا الاقتصادي والتعليمي.

وكما يبدو من مختلف التجارب التعليمية، التي أولت للحقل التعليمي التقني والفني أهمية خاصة، أن عملية استيعاب بعض الطاقات الوطنية في مشروعات ومعاهد وكليات التعليم التقني والفني، تتطلب توفير جملة من القضايا والأمور وهي:

• التعليم الفني والقيمة الاجتماعية:

ثمة حقيقة اجتماعية ينبغي ألا تغيب عن بالنا، حين التفكير في ظاهرة العزوف عن الالتحاق بمؤسسات التعليم الفني والتقني، ألا وهي ضمور القيمة الاجتماعية لهذه التخصصات في المحيط الاجتماعي. ولعل هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي تحول دون اندفاع الكثير من الشباب إلى معاهد وكليات التعليم الفني والتقني.

لذا من الأهمية بمكان، السعي الجاد وعبر مختلف السبل، إلى إعادة الاعتبار الاجتماعي إلى هذا الحقل من التعليم؛ لأن تشجيع الشباب على الالتحاق بالتعليم الفني والتقني، بحاجة إلى الإعلاء من شأن المهارات الفنية والتقنية اجتماعيًا وماديًا.

وهذا يجعلنا نؤكد على الأمور التالية:

1- إعادة الاعتبار الاجتماعي والمادي، إلى الحرف والمهارات التقنية والفنية، لأنه هو الخطوة الأولى في طريق التحاق الشباب بمؤسسات التعليم الفني والتقني.

2- إيجاد المحفزات المادية والوظيفية للتخصصات الفنية والتقنية، حتى تزول الكثير من عوامل التردد، التي تحول دون اندفاع الشباب للالتحاق بالتعليم الفني والتقني.

3- إشاعة وبث الثقافة والقيم الاجتماعية، التي تقدس العمل، وتعلي من شأن المهنة والحرفة، مهما كانت طبيعتها.

4- التركيز على مشروعات تنمية الموارد البشرية، لما لها من دور حيوي في سد حاجات الوطن، على مستوى الكفاءات والقدرات البشرية، القادرة على تسيير وإدارة مسيرة التنمية الوطنية.

• العلم قوة إنتاج:

وبفعل تعاظم التقنية والتكنولوجيا، وما أحدثته من تغييرات هائلة في ميادين الإلكترونيات الدقيقة والحاسبات والإنسان الآلي وصناعة المعلومات والاتصالات والطاقة النووية وتكنولوجيا الفضاء والهندسة الوراثية وتخليق المواد الجديدة، وإحلالها محل المواد الطبيعية القديمة على أساس التكنولوجيا الكيماوية والبتروكيماوية.

توحي كل هذه الأمور بأن العلم النظري والتطبيقي، أضحى قوة إنتاجية هائلة، بحيث إنه أصبح القاعدة الأساسية، لكل تطور تقني أو تقدم اقتصادي.

وعلى هدى هذه الحقائق، نحن ينبغي أن ننظر إلى التعليم الفني والتقني، لأنه جزء من مشروع الوطن في إعداد الكفاءات الوطنية المساهمة في مشروعات الإنتاج والتطوير الاقتصادي والتقني.

ولهذا تنظر الدول المتقدمة، إلى التعليم الفني والتقني، باعتباره من الأمور التي لا غنى عنها لنجاحها واستمرار تفوقها الاقتصادي والتقني.

ولذلك نجد في اليابان أن حوالي 8% من منهج المرحلة الثانوية الأولية مخصص للفنون الصناعية وبناء المساكن. فيأخذ الطلبة 70 ساعة في هذين المجالين سنويًا في الصفين السابع والثامن و 105 ساعات في الصف التاسع. وهناك خمسة منافذ من المعاهد التربوية تعد غير الراغبين في الدراسة الجامعية من الشباب لسوق العمل وهي المدارس الثانوية العليا، الكليات الفنية، الكليات الدنيا، مدارس التدريب المتخصصة، مدارس متنوعة.

وبلغت في الأعوام الأخيرة نسبة الطلبة الملتحقين في المقررات المهنية 31% أغلبهم في البرنامج الفني - الصناعي حوالي 449,000 طالب أو 18.2% والبرنامج التجاري حوالي 165,000 أي 7.6%.

وتتيح هذه المدارس والمعاهد فرصة تنمية المهارات في مجالات الهندسة، الزراعة، والخدمات الصحية، والتمريض والصحة، والتجارة، والاقتصاد المنزلي والثقافة والعلوم الإنسانية. وتشير الدراسة التي قام بها المركز الياباني لتعيين الخريجين في بداية العقد الماضي إلى أن 65% من عدد المؤسسات التي شملتها الدراسة وعددها 200.5 مؤسسة أبدت رغبتها في الحصول على حاجاتها من بين خريجي هذه المدارس. فالتعليم الفني والتقني في المجتمعات المتقدمة، يحتل موقعًا متميزًا في الخريطة العامة للمجتمع لما له من دور في التطور الاقتصادي والتقني والعلمي. ولعل مما يلفت النظر في التجربة التعليمية اليابانية، قدرة النظام التعليمي على فهم المعادلة الصعبة بين التعليم والتدريب من ناحية سوق العمل والعمالة من ناحية أخرى. وهذا في تقديرنا هو الحلقة الأولى لصنع الدافعية للطلاب، للالتحاق بمعاهد التعليم الفني والتقني هذا من جهة، وإنه المدخل الفعلي لمشاركة التعليم في توفير متطلبات التنمية الوطنية من الطاقات والتخصصات الفنية والتقنية من جهة أخرى.

وهكذا نستطيع أن نقرر: أن التعليم الفني والتقني ضرورة ملحة لبناء الوطن ذي المكانة العالية.

العلم أولًا ودائمًا

إننا اليوم مطالبون لإعادة الاعتبار إلى العلم، وتوفير كل عوامل الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين. فالاحترام ينبغي ألا يكون منحصرًا في علماء الدين، والوجاهة الاجتماعية ينبغي ألا تكون خاصة برجال الدين.

من الطبيعي القول إنَّ الأمم والشعوب، لا تتقدم إنسانيًا وحضاريًا وتقنيًا، حينما تسود فيها ثقافة التكرار والاجترار، وتتحكم في مساراتها عقليات الجمود ومناهج «ليس بالإمكان أفضل مما كان».

إن هذه الثقافة الاجترارية لا تخدم التقدم، بل على العكس إنها تزيد من عناصر التخلف والتأخر في الفضاء الاجتماعي. وإذا تأملنا كثيرًا في التجارب الإنسانية على هذا الصعيد، نكتشف أن ثقافة النهوض والإبداع والحرية، هي جسر العبور إلى التقدم والتطور بكل مستوياته ودوائره.

ولم تتقدم أمة من الأمم من خلال نهج الاجترار والتكرار أو ثقافة الجمود وإبقاء ما كان على ما كان. وإنما دائمًا ملحمة التقدم تبدأ حينما يتحرر المجتمع من ثقافة الجمود ويتجه إلى الإبداع بكل متطلباته بدون خوف ووجل. فمسايرة السائد على هذا الصعيد، لا تصنع تقدمًا، وإنما تزيد من تأخر المجتمعات، وتعمق حالة الفوات التاريخي بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتأخرة والمتخلفة.

ووجود مدارس وجامعات ومعاهد علمية عديدة، ليس مؤشرًا كافيًا لخلق حالة التقدم في المجتمعات. وإنما من الضروري فحص المناهج التربوية والتعليمية التي تدرس في هذه المعاهد والمدارس والجامعات.

فالمناهج هي المؤشر الحقيقي للتعرف على إمكانية أن تساهم هذه المعاهد في مضمار التقدم، أو على العكس من ذلك، حيث تساهم في استمرار الجمود وتغييب ثقافة الإبداع ومتطلباته.

فنحن هنا بحاجة إلى معايير كيفية - نوعية، وليس معايير كمية، لا تؤسس بالضرورة لمناخات التقدم وحاجات التطور والتنمية. وتقدم الأمم لا يأتي بالتفاخر في بناء المنازل أو دور العبادة، مع أهمية هذه الدور في الفضاء الاجتماعي، ولكن بوحدها لا تصنع تقدمًا، وليس مؤشرًا كافيًا لسير المجتمعات نحو التقدم.

إننا اليوم بحاجة إلى بناء معاهد علمية حقيقية، تدرس العلوم الحديثة، وتعلم أجيالنا الجديدة سبل التعامل الخلاق مع كل مكاسب الحضارة الحديثة. وخصوصيتنا الوطنية أو الدينية، لا تعني بأي حال من الأحوال، أن ننفصل عن علوم العصر، أو لا نتعامل من موقع الفهم والاستيعاب مع منجزات الحضارة الحديثة.

إننا اليوم بحاجة إلى أن نبذل الكثير من الإمكانيات والقدرات في هذا السياق. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى بناء أجيال علمية متدربة، تفقه التعامل مع التكنولوجيا والتقنية الحديثة. ويحدثنا مؤلف كتاب «المعجزة في الاقتصاد» آلان بيرفت عن دور الثقافة والعلم في صناعة التقدم في المجتمعات الإنسانية. إذ يقول: هناك أفكار تركت تأثيرها الكبير. أفكار يوكيشي فوكوزاو «1835-1901» مؤلف كتاب «تحفيز على التعلم» صدر في العام «1872 م» بـ «220,000» نسخة بطبعته الأولى، ثم تجاوز الستة ملايين. كتاب يمجد العلوم الاجتماعية والعلوم الفيزيائية. ويضيف المؤلف أن الكاتب الياباني كان يشدد على الثقافة الجامعية كمضمون يعطي الاستقلال معناه، وعلى ضرورة الاهتمام بالشيء الغربي.

وقد لاحظ المؤرخ الإنكليزي «لورنس ستون» أن الثورات الحديثة الثلاث الكبرى: إنكلترا السابع عشر، وفرنسا الثامن عشر، وروسيا التاسع عشر، تتوافق في هذه البلدان الثلاث مع الفترة التي وصل فيها محو الأمية إلى نصف السكان.

فالتنافس اليوم بين الأمم والشعوب، لا يحسم بمستوى استهلاك سلع الحضارة، وإنما بمدى مشاركة هذه الأمم في المنجزات العلمية والحضارية. وكل هذا بطبيعة الحال بحاجة إلى ثقافة تحترم المنجز العلمي، وتحترم أهل التخصصات العلمية، وتفسح لهم المجال للبروز والتأثير في الفضاء الاجتماعي.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن هناك تزامنًا حقيقيًا بين الثقافة والتقدم في هذا السياق. بمعنى أن سيادة ثقافة الجمود والتكرار، يعني تحول مؤسساتنا التعليمية والتربوية، إلى مؤسسات تساهم في تكريس هذا الجمود والتكرار. أما إذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع، هي ثقافة الإبداع والحرية واحترام العلم بكل تخصصاته فإن هذه المعاهد والمؤسسات، تتحول إلى مصدر إشعاع وإلهام لمشروعات التقدم والتطور.

ويسجل الدكتور «جورج المقدسي» هذه المفارقة في كتابه «نشأة الكليات: معاهد العلم عند المسلمين وفي الغرب». إذ يقول: مع ظهور المدرسة بدأت المعاهد التي تدرس العلوم الدخيلة في الاندثار تدريجيًا إلى أن انقرضت بحلول القرن السادس الهجري «الثاني عشر الميلادي»، وهو القرن الذي عمدت فيه دار الحديث في دمشق، وهي مؤسسة تعليمية وثيقة الصلة بالمدرسة، إلى رفع مرتبة مدرسة الحديث إلى مرتبة مدرسة الفقه، مع اتخاذها لاسم الدار في الوقت نفسه، كما لو كانت تقصد بذلك توكيد انتصار أهل الحديث على بقايا معاهد العلم التي كانت تدرس العلوم الدخيلة، وهي دار العلم وما شابهها من مؤسسات تعليمية. ومن المعلوم أن المعاهد التي كانت تدرس بها العلوم الدخيلة «أي الفلسفة، وعلوم الطب والكيمياء والرياضيات والمنطق... إلخ»، هي المعاهد المختلفة التي كانت تلحق بأسمائها مثل هذه الألفاظ: دار، بيت، خزانة، وهي مكتبات أساسًا، وكذلك المستشفيات والمارستانات، المشتقة من لفظة بيمارستان الفارسية.

فحينما تنقرض معاهد العلم، ويتم التعامل مع العلم بوصفه من العلوم الدخيلة، فإن المجتمع أي مجتمع مهما أوتي من الإمكانات والقدرات، فإنه لن يتمكن من التقدم. صحيح أنه يستطيع أن يقتني كل سلع ومنتجات الحضارة، إلا أنه لن يتمكن من استيعاب أسرارها أو القبض الحقيقي على أسباب وموجبات التقدم الحضاري. فالمجتمعات لا تتقدم بالخطب الإنشائية، ولا تقبض على أسباب التطور حينما تتعامل مع المنجز العلمي الحديث بوصفه علمًا دخيلًا ينبغي أن نحذر منه.

إننا اليوم مطالبون لإعادة الاعتبار إلى العلم، وتوفير كل عوامل الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين. فالاحترام ينبغي ألا يكون منحصرًا في علماء الدين، والوجاهة الاجتماعية ينبغي ألا تكون خاصة برجال الدين. وإنما من الضروري أن نوفر الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين سواء كانوا علماء دين أو اجتماع أو فلسفة أو فيزياء أو رياضيات أو ما أشبه ذلك.

فالتقدم لا يمكن أن يتحقق إلا بفسح المجال لكل العلماء للبحث العلمي والإبداع. ومن الضروري أن لا نخاف من العلم ومنجزاته، فالإسلام لم يأت من أجل تقييد العقول، وإنما جاء من أجل إثارة العقول. وقيم الدين لا تقتل الإبداع وإنما تحفز على إعمال العقل والتفكير. لهذا فإن تحرير المجال الاجتماعي من الخوف من العلم والإبداع، من الشروط الأساسية التي تساهم في تقدم الأمم والمجتمعات. فلنفسح المجال للعلماء للبحث والإبداع، ولنوفر لهم كل مستلزماتهما. وبدون ذلك لن نتمكن من القبض على أسباب التقدم أو استيعاب أسرار المنجز العلمي الحديث. ونمارس خديعة جوهرية لأنفسنا ولمجتمعنا، حينما نتعامل مع المنجز العلمي الحديث بلغة الاستغناء وعدم الحاجة لأن هذه الرؤية النرجسية الخادعة للذات، فوتت علينا الكثير من الفرص والآفاق.

فنحن كمجتمعات اليوم أحوج ما نكون إلى المنجز العلمي الحديث، ولا سبيل أمامنا للاستفادة منه، إلا بتوفير بيئة قانونية واجتماعية وعلمية حاضنة لهذا المنجز وقادرة على تعريف أجيالنا بأسراره ودقائقه العلمية والفنية. ولا مبرر للحذر من المنجز العلمي أو الخوف من الإبداع الإنساني. فالقيم الإسلامية سباقة في تشجيعها على العلم وحثها للتفكير في آفاق الكون واكتشاف أسرار الباري عز وجل فيه. فلا نمنع عن أنفسنا خيرات العلم وبركاته بتبريرات واهية أو دعاوى الحفاظ على الهوية والخصوصية. فكل هذه الدعاوى لا تصمد أمام التوجيهات الإسلامية الصريحة في طلب العلم وتوقير العلماء واحترام مطالب الإنسان العلمية. إننا نعتقد أن المجتمعات الإسلامية التي تقدمت، وحققت منجزات نوعية في مسيرتها كماليزيا، لم تستطع إنجاز كل هذا إلا حينما شجعت أبناءها على العلم والتعلم، وفسحت المجال للتواصل الحقيقي مع كل معاهد العلم ومؤسسات المعرفة الحديثة. فالمجتمعات لا تتقدم إلا بالعلم، ولا طريق أمامنا إذا أردنا التقدم والتطور إلا بناء مؤسسات ومعاهد علمية وطنية، تأخذ على عاتقها توطين العلم الحديث في مجتمعاتنا، وتشجيع الباحثين والعلماء على العطاء والإبداع.

لهذا كله فإننا نؤكد في هذا السياق على النقطتين التاليتين:

1- الانفتاح والتواصل مع المنجز العلمي الحديث، وهذا يتطلب تشجيع حركة الترجمة؛ حتى يتمكن أبناء المجتمع من التعرف بشكل مباشر على المنجز العلمي الحديث. فالغرب لم يتقدم في مرحلته الأولى، إلا بتشجيع حركة الترجمة، حتى يتمكن الإنسان الغربي آنذاك من التواصل العلمي والمعرفي مع المنجز الحديث.

ويشير إلى هذه المسألة الدكتور وجيه كوثراني بقوله: رافقت تأسيس الجامعات والكليات في أوروبا حركة ترجمة واسعة، معظمها تم من العربية إلى اللاتينية. كان الغرب قد عرف بعض كتب ابن سينا منذ القرن الثاني عشر، أما في الثالث عشر، فإن حركة الترجمة ستصبح منتظمة تتناول شتى حقول المعرفة. وأهم الترجمات كانت لكتب ابن الهيثم في البصريات، كما ترجمت بعض كتب الكندي والفارابي والغزالي. كانت طليطلة وجنوب إيطاليا وصقلية أهم مراكز الترجمة. أما الترجمات التي ستلعب الدور الأهم فهي ترجمة شروحات ابن رشد لكتب أرسطو وخصوصا لكتب ثلاثة رئيسية لم يكن الغرب يعرفها وهي كتاب النفس، وكتاب الطبيعة، وكتاب ما بعد الطبيعة.

فالتواصل اليوم مع العلم الحديث، يتطلب تأسيس حركة ترجمة نشيطة، تأخذ على عاتقها ترجمة العلوم الحديثة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ونحن هنا في هذا السياق ندعو إلى تأسيس مؤسسة وطنية كبرى للترجمة، تأخذ على عاتقها ترجمة العلوم والمعارف الحديثة إلى اللغة العربية، حتى يتمكن أبناء الوطن من الاستفادة منها.

وبلغة الأرقام فإن الوطن العربي وتعداده 250 مليون نسمة يصدر في السنة ما يقارب 6759 مطبوعة بين تأليف وترجمة منها 548 فقط في العلوم. بينما أسبانيا تعدادها 39 مليونًا فإنها تصدر حوالي 41816 مطبوعة منها 2512 في العلوم.

وإن إجمالي الكتب المترجمة في كامل الوطن العربي، منذ ما بعد عهد الخليفة المأمون وحتى تسعينيات القرن العشرين، لا يصل إلى 15 ألف عنوان، أي ما يساوي ما ترجمته إسرائيل في أقل من 25 سنة، أو ما ترجمته البرازيل في أربع سنوات. أما اليابان فهي تقوم بترجمة ما يزيد على ثلاثين مليون صفحة سنويًا.

2- من الضروري تظهير القيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية، التي تحث على التفكير وإعمال العقل والإبداع، وتشجع على العلم والتعلم؛ لأن هذا التظهير هو الذي يطرد من فضائنا الاجتماعي كل الموانع والكوابح التي تحول دون التقدم وامتلاك ناصية العلم. وأكرر هنا ما ذكر أعلاه أن الدين الإسلامي، لا يشرع قيودا على العلم والإبداع، وإنما يحفز عليهما، ولا يحول دون استخدام العقل، بل يعده أحد مصادر التشريع. لذلك فلننه من حياتنا الاجتماعية والثقافية، تلك القناعات التي تصور أن الإسلام يجعل قيودا على العلم والمعرفة؛ لأن هذه القناعات هي وليدة عصور الانحطاط والتخلف، وليست تجليًا حقيقيًا لمضامين النصوص والتوجيهات الإسلامية الصريحة.

فالعلم هو جذر الحضارة، فلا حضارة بلا علم. وهو جسر العبور نحو التقدم، حيث لا تقدم بدون علم ومعرفة. لهذا كله آن الأوان بالنسبة لنا جميعًا إلى إعادة الاعتبار إلى العلم، والمساهمة في توفير كل الظروف والشروط المؤدية إلى سيادة العلم ومركزيته في الفضاء الاجتماعي والثقافي.

العقلية العلمية

لا أحسب أني بحاجة إلى ديباجة، توضح أهمية العلم وتوفر العقلية العلمية، في تقدم الأمم والشعوب وأنه لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التقدم والتطور، إلا على قاعدة العلم والمعرفة.

فالجهل بأشكاله المختلفة وعناوينه المتعددة، لا يصنع إلا المزيد من الارتكاس فيه وتتكرس من جراء ذلك كل آليات التخلف وجذور الانحطاط ومظاهره في المجتمع، لذا فإن توسع قاعدة العلم في المجتمع يعني المزيد من توفر العوامل الخالقة والحاضنة لأطر التقدم في المجتمع، ولم يحدثنا التاريخ الإنساني كله عن مجتمع وصل إلى درجات معينة من التقدم والحضارة بدون العلم فهو أس الحضارات ومنبع التقدم وملهمه، وبدونه يبقى المجتمع ركامًا بشريًا، يتنازع مع بعضه لأتفه الأسباب ويصرف طاقاته وإمكاناته في أمور أقل ما يقال عنها أنها خارج التاريخ وبعيدة عن ضروريات المجتمع الإنساني.

فالعلم حينما يسود مجتمعًا ما فإنه يضبط سلوكه بضوابط منهجية علمية ويدفعه باتجاه التوظيف الأمثل لإمكاناته وقدراته الذاتية ويبلور له المواقع المفضلة لصرفها، ويخلق لديه حوافز العمل والبناء وإنهاء كل العوامل المحيطة والكابحة لعمليات التطور والبناء.

فالعلم مقوّم أساسي من مقومات المجتمع الإنساني المتقدم، حيث إنه بضوابطه الأخلاقية يعيد للإنسان إنسانيته المسلوبة. والاتكاء على الخرافة، والعمل وفق معتقداتها لا يؤدي إلا إلى المزيد من التقهقر الاجتماعي والجمود الثقافي والتحجر الذهني والفكري.

وفي الدائرة العربية والإسلامية وبفعل الاضطراب المنهجي والفوضى المفهومية التي حدثت من جراء الصراعات الفكرية الوافدة وعمليات الاستغراب الثقافية والحضارية والتي حدثت على المستوى النظري والعملي في المحيط العربي والإسلامي تشكلت بنية فكرية ومجتمعية مشوهة. وتتجلى هذه البنية المشوهة في العقلية وطريقة التفكير. حيث يعيش المرء الانفصام بين ما يظهره من أفكار وتصورات وبين ما يبطنه ويحتفظ به لنفسه. ”بين المفكر به عبر نصوص يغلب عليها التشويش في استعمال المفاهيم والمصطلحات واللامفكر به“ على حد تعبير الدكتور سهيل فرح.

وأمام هذا الواقع المشوه والمزدوج تأتي أهمية وضرورة توفر العقلية العلمية القادرة على تنقية منظورنا المعرفي والفكري من أجزائه الأسطورية واللا علمية والتي لا تنسجم حين التدقيق فيها وروح مقاصد المنظور المعرفي والفكري نفسه.

وهذه العملية ليست سهلة وبسيطة، بل تكتنفها الكثير من الصعوبات والمشاكل التي من مصلحتها بقاء تلك العناصر والأجزاء في منظوماتنا المعرفية والفكرية.

وينبغي التذكير في هذا المجال بحقيقة أساسية وهي إن الانطلاقة الحضارية والتقنية والصناعية الهائلة التي حدثت في الغرب كان بدايتها ونواتها الاصلية. تحرر العقلية الغربية، من بعض المفاهيم والموروثات، التي كانت تعيق الفكر الإنساني وتكبح تقدمه، وتحارب آفاقه، وتقمع تصوراته ونظراته. لهذا بقي الفكر الإنساني «في الدائرة الغربية» مهمشًا حتى استطاع أقطاب الحركة التنويرية في أوروبا من إعادة الاعتبار إلى الفكر الإنساني ومنتوجاته المختلفة. وهذه كانت بداية للانطلاقة الحضارية في الغرب لأنه لا يعقل أن مجتمعًا يستطيع أن يبني حضارة ويشيد مدنية ضخمة، وهو أسير بعض الموروثات الفكرية التقليدية التي لا تنتمي أصلًا إلى المنابع الفكرية والفلسفية الأصلية، بل هي وافدة من عصور الانحطاط والتخلف والجهل التي دخلت أوروبا في نفقها مدة زمنية طويلة.

لهذا فقد حورب العلماء، واضطهد المخترعون، وأضحى كل نفر يشكك في المسلمات ويحارب الطقوسات الوثنية خارجًا من التاريخ والناموس العام ويجب محاربته.

والإشكالية المنهجية العميقة، التي ابتليت بها بلداننا العربية والإسلامية، هو أنها تلهث وراء اقتناء أحدث المعدات التكنولوجية، واستيراد آخر ما أنتجته المصانع والشركات والمؤسسات، على اعتبار أن هذا الاقتناء والحضور السريع لهذه المعلومات، هو الذي سيحقق القفزة النوعية المطلوبة في العالم العربي والإسلامي. متغافلين عن حقيقة أساسية وهي أن قاعدة الانطلاقة الحضارية والصناعية. ليس اللهاث وراء منتجات الغير، بل هو تحقيق قفزة نوعية في طريقة تفكيرنا ونظامنا الفكري وقيمنا السائدة.

إنَّ عملية العقل العربي والإسلامي، هو حجر الزاوية في كل عملية نهوض حضاري، ويخطئ الطريق ويجانب الصواب. من يبحث عن الحضارة والتقدم بدون تحقيق العلمية في طريقة تفكيرنا وعقولنا ونظراتنا إلى الأشياء والأمور. ولعل الآية القرآنية التي تشير إلى ذي القرنين وقصته تؤكد على العقلية العلمية السببية إذ يقول القرآن الحكيم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا [الكهف: 83-85].

وثمة أمور عديدة ينبغي استحضارها للوصول إلى شيوع العقلية العلمية في حركتنا الاجتماعية

ويمكننا اختصارها في نقطتين أساسيتين وهما:

1- احتضان وتشجيع حركة النقد المعرفية والعقلانية، لأنها هي الاطار الفعال، والحركة لفكرية المؤهلة ذاتيًا وموضوعيًا، لتطوير حركة الإبداع والابتكار الفكري والمعرفي.

والعملية النقدية هي عبارة عن ممارسة نقدية عملية للأطر النظرية التي يبدعها العلم بصورة متواصلة من أجل فهم الواقع ومن أجل تغييره أيضًا.

وفي العالم الاوروبي نشأت قيمة النقد، بوصفها واحدة من القيم الأساسية التي تشكل هذا العالم بموجبها وبوصفها منهاجًا عامًا للتعامل الاجتماعي. كان لهذه القيمة الفضل في تفجر العلمية الكبرى على يدي «غاليليو غاليلي» مؤسس علم الفيزياء فقد أبى غاليليو أن يكتفي بتأييد بعض الأفكار والآراء الجديدة التي كانت مطروحة آنذاك على الساحة الأوروبية «مثل نظرية كوبر نيكوس في النظام الشمسي»، ويصمت عن الآراء القديمة، وإنما شرع يختبر الأفكار القديمة واحدة تلو الأخرى بالفكر والعمل النقديين ووفق أسس عقلانية وواقعية صارمة، حتى أتى عليها جميعًا، مقوضا بذلك أركان ثقافة في كاملها. «جدل الوعي العلمي - الدكتور هشام غصيب - ص 131».

فالنقد الخلاق هو الروح المحرك للتطور العلمي والعقلية العلمية. لذلك ينبغي ألا ننظر إلى النقد البناء، باعتباره معول هدم، وإنما هو مبدأ فصل العلم الحديث وديناميته وتطوره.

2- الانفتاح على الخطاب العلمي الإنساني ومحاولة الاستفادة من منجزاته المنهجية ومكاسبه العلمية والمعرفية.

فشيوع قيم العلم والحضارة في المجتمع، لا يتأتى إلا بعلمية العقول وتحديثها، فهو السبيل تجسيد قيم العلم والمعرفة في الواقع الاجتماعي. لأن الوعي النقدي هو الذي يحاور ويسائل ويشكك «الشك المنهجي» وكلها روافد للإبداع والتطوير.

والعقلية العلمية، لا تعني أن يتعامل الإنسان مع القضايا الاجتماعية والإنسانية بلغة رياضية - حسابية، بل أن يتعامل معها وفق المعطيات الواقعية والبراهين الدامغة والحقائق والقناعات الثابتة المعتمد على العلم واليقين لا الاحتمالات والظنون.

فالعلمية تعني حضور الوعي والحقائق أثناء التفكير في القضايا أو تقويم الأمور والمسائل. وربط النتائج بالأسباب. لأننا ما دمنا نتحدث عن حركة الإنسان، لذلك لا يمكن أن تتبلور ظاهرة أو تبرز نتيجة بشكل عشوائي أو صدفة، وإنما هي ظاهرة مرتبطة بالأسباب الحقيقية التي أوجدتها، لهذا فإن العقلية العلمية تعني أن نربط المسببات بأسبابها الحقيقية، والاعتقاد الجازم بأنه لا يمكن أن تبرز ظاهرة إنسانية بدون أسباب محددة لوجودها.

فالحركة الاجتماعية مهما كان توجهها ومسيرتها، فهي خاضعة لجملة من القوانين الموضوعية التي لا يمكن نكران تأثيرها على مسيرة المجتمع سلبًا أو إيجابًا، وحتى تغدو هذه الحركة الاجتماعية مفهومة، لا بد من جعلها في سياقها الموضوعي، وربط النتائج بمقدماتها الفعلية. لأن هذه الظواهر من صنع الإنسان نفسه. ومن الخطأ بمكان أن ننظر إلى هذه الظواهر بمنظور الصدفة أو الخوارق والمعجزات.

كما أن العقلية العلمية تقتضي منا أن ننظر إلى آمالنا وتطلعاتنا بمنظور أن عملنا وجهدنا، هو الكفيل الوحيد بتحقيقها في الواقع الخارجي.

فالطالب في المدرسة هو المسئول الأول عن تحقيق تطلعاته العلمية والمدرسية، كما أن رجل المال والاقتصاد، هو المسئول الأول عن إدارة مشاريعه وإنجاز أعماله.

فالعقلية العلمية تعني: أن تطلعاتك الفردية والجمعية أنت المسؤول الأول الذي ينبغي أن تعمل وتكافح من أجل الوصول إليها كما أن سيئات الواقع وكوابحه أنت المسؤول الأول عن إنهاء مفعولها وإنهاء تأثيرها. فهي عقلية تدفعنا باتجاه أن نتحمل مسؤولياتنا على أكمل وجه في اتجاهين تكاملين:

الاتجاه الأول: العمل الدؤوب لتحقيق التطلعات والآمال.

الاتجاه الثاني: العمل على إنهاء كوابح الواقع وسيئاته ومنع تأثيرها على واقعنا الخاص والعام.

وفي الختام: إننا وأمام هذه التحولات السريعة التي تجري في العالم كله، أحوج ما نكون إلى العقلية العلمية، وتتجسد قيمها في إدارة أمورنا والنظر إلى قضايانا وقضايا الآخرين.


[1]  غرر الحكم 1626,1736، وفي بعض النسخ إحدى الحيلتين 4220,185,688,2486.
كاتب وباحث سعودي «سيهات».