آخر تحديث: 7 / 6 / 2026م - 9:38 م

حين يتحول كل شيء إلى منبر

علي البحراني *

ثمة فرق دقيق بين أن يحمل الإنسان إيمانه معه أينما ذهب وبين أن يحمل كل ما حوله إلى داخل إيمانه الأول حالة روحية راقية تجعل الدين قيمة أخلاقية حاضرة في السلوك أما الثاني فقد يتحول إلى نزعة تبتلع الحدود بين الأشياء فلا يعود العالم مكوناً من تخصصات ومجالات وأنشطة متنوعة بل يصبح مجرد مناسبات متكررة لإعادة إنتاج الخطاب ذاته،

تجد هذا النمط حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية تنشأ مجموعة رياضية لتبادل برامج اللياقة والجري فيأتي من يحولها إلى سلسلة لا تنتهي من الأدعية والرسائل الوعظية والمناسباتية الهوياتية وتفتح ورشة للحدادة أو النجارة لتبادل الخبرات المهنية فتغدو ساحة للمنشورات الدينية المنسوخة ”نبارك لكم المولد الشريف، عظم الله أجوركم بالمصاب العظيم“ وتقام حفلة زواج يحتفي فيها الناس بالموسيقى والفرح واللقاء الاجتماعي فينشغل بعض الحاضرين بإعادة تعريف المناسبة كلها وفق منظوره الخاص ويشترط إيقاف الحفلة لأنه موجود كأن الفرح لا يكتمل إلا إذا ارتدى الثوب الذي يراه هو مناسباً

ليست المشكلة في الدعاء نفسه فالدعاء جزء من التراث الروحي الإنساني ولا في الإيمان الذي يمنح صاحبه السكينة والمعنى، المشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان حسه بوظيفة المكان وطبيعة المناسبة واختلاف الأدوار الاجتماعية فالمهندس حين يدخل غرفة العمليات لا يتحول إلى شاعر والجراح حين يقف أمام المريض لا يلقي محاضرة في الاقتصاد، وكذلك كل نشاط إنساني له منطقه الداخلي وأهدافه وأدواته

يشير علماء الاجتماع إلى أن الدين لا يعمل فقط كعقيدة بل كوسيلة لبناء الروابط الاجتماعية وصناعة الهوية الجماعية، ولذلك يميل بعض الأفراد إلى توسيع حضوره في كل الفضاءات الممكنة، غير أن هذا التوسع قد يتحول أحياناً من وظيفة اجتماعية إلى حالة من ”تديين المجال العام“ حيث يعاد تفسير الأنشطة المختلفة بمنظار واحد مهما اختلفت طبيعتها، وقد تناولت بعض الدراسات مفهوم ”التديين“ بوصفه محاولة لإضفاء الصبغة الدينية على مختلف مجالات الحياة والسلوك

إميل دوركايم لاحظ أن الجماعات البشرية تميل إلى تحويل بعض الرموز والممارسات إلى مقدسات جماعية تمنح أفرادها شعوراً بالانتماء والمعنى

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه الظاهرة أنها لا تتوقف عند حدود الفكرة الدينية نفسها بل تمتد إلى اللغة اليومية، فمهما كان موضوع الحوار: الأسهم، الرياضة، التصوير، التصميم، البرمجة، أو حتى إصلاح السيارات، ينتهي الحديث غالباً بعبارة محفوظة: ”نسألكم الدعاء.“ وكأن كل الطرق، مهما تباعدت، ينبغي أن تنتهي إلى المحطة ذاتها

إن الإيمان العميق لا يحتاج إلى أن يرفع صوته في كل مكان كي يثبت وجوده، فالنهر لا يعلن عن مائه في كل منعطف، والشجرة لا تشرح معنى الخضرة لكل عابر، الأشياء الكبيرة تكتفي بأن تكون حاضرة،

وحين يصبح كل شيء خطاباً دينياً يفقد الدين نفسه شيئاً من فرادته فالمقدس يكتسب هيبته من موضعه ومعناه لا من كثرة تكراره والموسيقى تبقى موسيقى، والرياضة تبقى رياضة، والهندسة يبقى بناء، والزواج يبقى احتفالاً إنسانياً بالفرح، أما الإيمان، فمكانه الأعمق ليس في الرسائل المنسوخة التي تتدفق صباح مساء، بل في الأثر الأخلاقي الذي يتركه الإنسان خلفه دون ضجيج،

فقد يغادر أحدهم كل مجموعة وهو يكرر: ”لا تنسوني من الدعاء“ وهو لا يلقي التحية على مار جنبه لأنه يحمل عليه ولا يبدأ بتحية لجارة الذي يختلف معه فكرياً بينما يبقى في الذاكرة شخص آخر لم يطلب الدعاء يوماً، لكنه كان هو نفسه دعاءً مجاباً في حياة الآخرين.