آخر تحديث: 7 / 6 / 2026م - 9:38 م

الوعي الذي يهزم التعصّب

محمد يوسف آل مال الله *

في عالمٍ تتصاعد فيه حدة الآراء، ويظنّ كلُّ طرف أنّه يمتلك الحقيقة الكاملة، تبرز عبارة: ”ما أقوله صوابًا يحتمل الخطأ، وما تقوله خطأ يحتمل الصواب“، بوصفها مدرسةً في الوعي قبل أن تكون مجرد أدبٍ في الحوار. فهي لا تعني التنازل عن المبادئ، ولا الذوبان في النسبية الفكرية، بل تعني أنّ الإنسان الواعي يدرك حدود فهمه، ويؤمن أنّ الحقيقة أكبر من إدراكه الفردي.

إنّ الوعي الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أنّ العقل البشري مهما بلغ من النضج يبقى قابلًا للزلل، ولذلك كان القرآن الكريم يربّي الإنسان على التواضع المعرفي، لا على الغرور الفكري. يقول الله تعالى: ﴿… وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: 76]، فالآية لا تُسقط قيمة العلم، لكنّها تمنع الإنسان من التألّه الفكري، وتذكّره أنّ هناك دائمًا مساحةً لمراجعة الذات والتعلّم من الآخرين.

ومن أعمق صور الوعي القرآني ما ورد في دعوة القرآن للحوار القائم على البحث عن الحقيقة لا الانتصار للنفس، قال تعالى: ﴿… وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى? هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: 24].

فعلى الرغم من يقين النبي ﷺ برسالته، جاء الخطاب بأسلوب يفتح باب التفكير للطرف الآخر دون استعلاء أو إلغاء، وكأنّ القرآن يعلّم الإنسان أنّ الوعي لا يصنع خصومًا، بل يصنع مساحات للفهم.

وفي مدرسة أهل البيت تتجلى هذه الروح بوضوح. فقد رُوي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب قوله: ”لا تنظر إلى مَنْ قال، وانظر إلى ما قال.“، وهذا من أرقى مستويات الوعي؛ إذ يحرّر الإنسان من التحيّز للأسماء والمكانة والانتماءات، ويجعله يبحث عن الحقيقة بذاتها. فالإنسان غير الواعي يرفض الفكرة لأنّ خصمه قالها، أمّا الواعي فيزن الفكرة بميزان العقل والحق.

ورُوي عن الإمام جعفر الصادق قوله:

”رأيُ الرجل على قدر عقله“، أي أنً اختلاف الناس في الآراء أمر طبيعي لا مبرر فيه للتعالي أو الإقصاء؛ لأنّ كل إنسان ينظر من زاوية خبرته ووعيه وتجربته. وهنا يظهر دور الوعي في تحويل الاختلاف من ساحة صراع إلى فرصة إثراء وتكامل.

إنّ الشخص الواعي حين يناقش لا يسعى إلى ”الانتصار“ بقدر ما يسعى إلى ”الاستبصار“. لذلك تجده:

• يُحسن الاستماع قبل الرد.

• يراجع أفكاره إذا ظهرت له أدلة أقوى.

• لا يعتبر التراجع عن الخطأ هزيمة.

• يفرّق بين نقد الفكرة والطعن في الشخص.

• يدرك أنّ الحقيقة لا تُحتكر.

ولهذا كان أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب يقول: ”اضربوا بعض الرأي ببعض يتولّد منه الصواب“، فالوعي لا يخاف من تعدد الآراء، لأنّه يعلم أنّ احتكاك العقول قد يولّد فهمًا أعمق للحقيقة.

وفي واقعنا اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى هذا النوع من الوعي؛ لأنّ كثيرًا من الخلافات الأسرية والاجتماعية والفكرية لا تنشأ من اختلاف الرأي بقدر ما تنشأ من وهم امتلاك الحقيقة المطلقة. فحين يعتقد الإنسان أنّ رأيه لا يحتمل الخطأ، يتحوّل الحوار إلى معركة، ويتحوّل الاختلاف إلى عداوة.

أمّا الوعي، فيجعل الإنسان ثابتًا في مبادئه، مرنًا في أسلوبه، متواضعًا في طرحه، مؤمنًا أنّ الوصول إلى الحقيقة يحتاج عقلًا منفتحًا وقلبًا نقيًا.

ولهذا فإنّ العبارة: ”ما أقوله صواب يحتمل الخطأ، وما تقوله خطأ يحتمل الصواب“، ليست مجرد قاعدة للحوار، بل هي منهج وعيٍ يُهذّب العقل، ويمنع الاستبداد الفكري، ويقود الإنسان إلى الحكمة التي أرادها الله لعباده.