بذر العداوة المزاح
قصة واقعية حصلت معي:
في أحد الأيام، كنت جالساً مع مجموعة من الزملاء على مائدة الطعام في العمل. ومن عادتي أنني لا أحب أن أُكلّف أحداً بخدمتي، فقمت لأحضر صحناً أضع فيه طعامي. وفي تلك اللحظة، أراد أحد العمال أن يسبقني ليأتي بالصحن كنوع من التقدير، لكن أحد زملائه ألقى كلمة على سبيل المزاح قائلاً: ”تريد أن تتقرب من المسؤول؟“.
كانت مجرد مزحة عابرة في نظر قائلها، لكنها كادت أن تتحول إلى مشكلة كبيرة؛ فقد شعر الطرف الآخر بالإحراج، وبدأ التوتر يظهر، وتطورت الأمور إلى مشادة كلامية ورفع الصحون وكادت تحصل مشاجرة فيما بينهم لولا لطف الله وتدخل بعض الحاضرين واحتواء الموقف.
وقفت بعدها أتأمل في هذا المشهد، وكيف أن كلمة واحدة كادت أن تشعل خلافاً كبيراً بين أشخاص لم يكن بينهم أي نزاع. وتذكرت حينها أن الشيطان لا يحتاج أحياناً إلى أكثر من كلمة واحدة ليشعل نار الخلاف بين الناس.
يضع القرآن الكريم أيدينا على حقيقة مهمة حين يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ، ثم يبين لنا أن هذا العدو ليس قوياً بذاته، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ .
وهنا قد يتساءل البعض: إذا كان الشيطان يصفه القرآن بأنه ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ - أي واضح العداوة - فلماذا لا ينتبه كثير من الناس إلى دوره في حياتهم اليومية؟
السبب هو أن الشيطان لا يستعمل قوة عظيمة، بل يعمل بطريقة خفية مستغلاً نقاط الضعف الموجودة في النفس الإنسانية؛ فهو يدخل من أبواب الغضب عندما يشتعل فيضيق التفكير، والعصبية عندما تسيطر فتتعجل الأحكام، والحساسية المفرطة وسوء الظن عندما تتحكم في تفسيرنا للمواقف، فنفهم الكلمات بغير مقاصدها الصحيح وتتحول إلى اتهامات.
ومن هنا يقع الإنسان في خطأ كبير؛ إذ يرى الشخص الذي أمامه، ويرى الكلمة التي قيلت، لكنه لا يرى اليد الخفية التي تحاول إشعال الخلاف واستثمار الانفعال، فينشغل بالخصومة مع أخيه، وينسى عدوه الحقيقي الذي حذره الله منه في قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ .
فنحن لا نرى الشيطان، لكننا نرى آثاره بوضوح عندما تتحول كلمة بسيطة ومزحة عابرة إلى خصومة وعداوة، ولهذا جاء التوجيه الإلهي العظيم قاطعاً لهذه الحبائل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ بَيْنَهُمْ﴾ .
:
من هنا نفهم سر التحذير الشديد الذي ورد عن النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار
من المزاح غير المنضبط الذي يذهب بالبهاء ويورث الأحقاد:
قال أمير المؤمنين علي
: «المزاح يورث الضغائن»، وقال: «دع المزاح، فإنه لقاح الضغينة».
وعنه
في أبلغ التشبيهات: «لكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح»؛ فالشجرة الكبيرة تبدأ ببذرة صغيرة، وكذلك الخصومة تبدأ بكلمة لا يُلقى لها بال.
وقال
: «إياكم والمزاح، فإنه يجر السخيمة ويورث الضغينة، وهو السب الأصغر».
وفي وصية رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين: «يا علي، لا تمزح فيذهب بهاؤك، ولا تكذب فيذهب نورك».
وعن كسر الهيبة وزرع الحزازات في القلوب، قال أمير المؤمنين
: «من كثر مزاحه قلت هيبته»، و«آفة الهيبة المزاح»، و«كثرة المزاح تذهب البهاء، وتوجب الشحناء».
كما قال الإمام الكاظم
: «إياك والمزاح، فإنه يذهب بنور إيمانك، ويستخف بمروءتك».
وقال الإمام الصادق
واضعاً قاعدة لحفظ الصداقة والمحبة: «إذا أحببت رجلاً فلا تمازحه ولا تماره»، وقال: «لا تمازح فيجترأ عليك»، و«إياكم والمزاح، فإنه يذهب بماء الوجه ومهابة الرجال».
ولعل من أجمل ما يعزز هذا المعنى، ما سمعته يوماً من سماحة الوالد العلامة الشيخ محمد كاظم الجشي «حفظه الله وأدام بركاته»، عندما سألته: ”ماذا تنصحونا في السير والسلوك إلى الله عز وجل؟“ فكان من جوابه المختصر والعميق:
• صلاة الجماعة.
• الابتعاد عن أهل السوء.
• ترك المزاح بينكم أهل العوائل.
وقد توقفت كثيرًا عند هذه الوصية الثالثة؛ لأن البعض قد يتصور أن المزاح بين الأقارب أمر بسيط لا يستحق الالتفات، بينما يدرك أهل البصيرة ما تتركه بعض المزحات من آثار خفية في النفوس. فالعلاقة بين الأقارب والأرحام والأصدقاء علاقة حساسة جداً، والكلمة فيها قد تبقى عالقة في القلب سنوات طويلة، وربما تبدأ على سبيل الضحك ثم تتحول إلى جرح أو سوء فهم أو حزازة مكتومة، وكم من قطيعة رحم كانت بدايتها كلمة قيلت على سبيل المزاح والشيطان يستثمرها.
ولم يقتصر التحذير على أصل المزاح، بل شمل كثرة الهزل والاستهتار الذي يفسد العقل وينافي الحكمة، حيث يقول أمير المؤمنين
: «رب هزل عاد جدًّا»، و«كثرة الهزل آية الجهل»، و«من كثر هزله استجهل»، و«من غلب عليه الهزل فسد عقله»، و«من قل عقله كثر هزله».
إن الشيطان لا يهدم العلاقات المتينة دفعة واحدة، بل يبدأ دائماً بشرارة صغيرة، وبذرة مهملة، ومزحة ظن أصحابها أنها عابرة. ومن هنا جاءت حكمة مدرسة أهل البيت
في الدعوة إلى الحلم، وسعة الصدر، وحسن الظن، والتغافل عن الأخطاء؛ فليس كل كلام يستحق الرد، وليس كل موقف ينبغي أن يُفسَّر على أسوأ الوجوه. وكم من علاقة نجت لأن أحد الطرفين اختار الصمت بدل الانفعال، والحلم بدل الغضب.
فاحفظ لسانك، وأوزن كلماتك، وأحسن الظن بإخوانك، وتعلم فن التغافل عن الزلات؛ فإن كثيراً من السعادة في الدنيا وسلامة القلوب يبدأ من كلمة موزونه وصمت حكيم وغضب تم احتواؤه، ومزحة آثر صاحبها أن يتركها طلباً لرضا الله تعالى.
وما أروع ما نختم به هذه الكلمات الحكيمة لأمير المؤمنين
:
«أعقل الناس من غلب جدّه هزله، واستظهر على هواه بعقله».
فليس العاقل من يضحك الناس بأي ثمن، وإنما العاقل من يحفظ القلوب، ويصون العلاقات، ويغلق الأبواب التي يدخل منها الشيطان، ويمنع الشرارة الصغيرة من أن تتحول إلى نار كبيرة.
وفي نهاية هذا التأمل، يبقى الإنسان أحوج ما يكون إلى قلبٍ واسع، ونفسٍ رحبة، ترى الأمور بعين الحكمة لا بعين الانفعال، وتلتقط جمال الحياة بدل أن تتوقف عند زلاتها الصغيرة. فالحياة لا تُبنى على لحظات سوء الفهم، بل على لحظات الصفح، ولا تُزهر بالحدة بل بالرفق واللين والتواضع، ولا تستقيم بالجدال بل بحسن الخلق وسلامة الصدر.
إن أجمل ما يمكن أن يخرج به الإنسان من مثل هذه المواقف، أن يتعلم كيف يحوّل الموقف العابر إلى درس، والكلمة الثقيلة إلى فرصة لنقاء القلب، والمزاح غير الموفق إلى دعوة لصناعة وعيٍ أعمق في اختيار الكلمات.
وما أروع الإنسان حين يخرج من الموقف وهو أكثر هدوءاً لا أكثر قسوة، أكثر رحمة لا أكثر انفعالاً، وأكثر قرباً من الله لا أكثر انشغالاً بخصومة عابرة. فهذه هي الروح التي تبني الإنسان من الداخل، وتجعله يعيش الطمأنينة حتى وسط ضجيج الحياة.
كن سبباً في سلام القلوب لا في اضطرابها، وفي جمع الأحبة لا في تفرّقهم، وفي إطفاء الشرارات لا في إشعالها فهناك فقط يشعر الإنسان أن للحياة معنى أعمق، وللروح سكينة لا توصف، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.













