آخر تحديث: 4 / 6 / 2026م - 9:13 م

الصيف ليس إجازةً للجميع

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

مع بداية كل صيف يتكرر السؤال ذاته:

”متى تبدأ إجازتك؟“

وكأن الصيف موسم راحة للجميع، بينما الواقع مختلف تمامًا.

ففي الوقت الذي يستعد فيه البعض للسفر أو قضاء الإجازة مع أسرهم، تبدأ لدى فئات أخرى أكثر مواسم العمل ازدحامًا. العاملون في خدمة ضيوف الرحمن، والقطاع الصحي، والمطارات، والأمن، والكهرباء والمياه، وخدمات البلديات، والطوارئ، والنقل، والقطاعات السياحية والترفيهية، جميعهم يدركون أن الصيف ليس دائمًا موسم راحة، بل قد يكون موسم ضغط إضافي.

وفي بلد بحجم المملكة وتنوع أنشطتها، لا تتوقف الخدمات الأساسية بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو بدء الإجازات المدرسية، بل على العكس تمامًا، يزداد الطلب على كثير من الخدمات خلال هذه الفترة.

الصيف في منطقتنا يرتبط أيضًا بظروف مناخية استثنائية قد تؤثر على صحة الإنسان وإنتاجيته وسلامته المهنية. فالعمل الميداني تحت درجات حرارة مرتفعة يختلف عن العمل داخل المكاتب المكيفة، والانتقال اليومي لمسافات طويلة في أوقات الذروة الحرارية يستهلك من الجهد والطاقة ما لا يظهر في التقارير والمؤشرات.

ولهذا، لم تعد المؤسسات الحديثة تنظر إلى المرونة الوظيفية على أنها رفاهية أو امتيازًا إضافيًا، بل أصبحت أداة لتحسين الأداء والمحافظة على صحة العاملين واستدامة الإنتاجية.

فالمرونة قد تعني تعديل ساعات العمل لبعض الوظائف لتجنب فترات الحرارة الشديدة، أو الاستفادة من أنظمة العمل عن بُعد في الوظائف التي تسمح طبيعتها بذلك، أو إعادة توزيع المهام بما يحقق التوازن بين متطلبات العمل وسلامة الموظفين.

وليس المقصود هنا تقليل ساعات العمل أو خفض مستوى الإنجاز، بل إدارة الموارد البشرية بطريقة أكثر كفاءة وواقعية.

إذا كانت المؤسسات تستثمر في التقنيات والبنية التحتية لتحسين الأداء، فإن الاستثمار في راحة الإنسان وصحته لا يقل أهمية عن أي استثمار آخر، ومن الناحية الصحية نشهد كل صيف تغيرات واضحة في نمط الحياة؛ سهر يمتد إلى ساعات الفجر، واضطراب في النوم، وقلة في النشاط البدني، وزيادة في استهلاك المنبهات والشاشات. ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب الخمول وضعف التركيز وتقلب المزاج.

لذلك، فإن الإجازة الحقيقية لا تقاس بعدد الأيام المسجلة في النظام الوظيفي، بل بقدرة الإنسان على استعادة توازنه الجسدي والنفسي.

أن ينام جيدًا.

أن يقضي وقتًا مع أسرته.

أن يبتعد قليلًا عن ضغوط العمل.

وأن يمنح عقله فرصة للهدوء وسط إيقاع الحياة المتسارع.

أما الذين سيقضون الصيف في مواقع العمل، فهم يستحقون أكثر من عبارات الشكر الموسمية. يستحقون بيئات عمل آمنة، وتنظيمًا مرنًا عندما تسمح طبيعة العمل بذلك، وتقديرًا واقعيًا لحجم الجهد الذي يبذلونه.

فبعض أجمل لحظات راحتنا يصنعها أشخاص لم يحصلوا على الراحة نفسها.

ومع بداية هذا الصيف، ربما لا يكون السؤال الأهم: أين سنقضي الإجازة؟

بل كيف نجعل الصيف أكثر صحة وإنتاجية وإنسانية للجميع.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي