آخر تحديث: 4 / 6 / 2026م - 9:13 م

عيد الغدير... شيء من الوعي

رضي منصور العسيف *

في يوم الغدير، لا نقف عند ذكرى تاريخية عابرة، بل نقف أمام محطةٍ عظيمةٍ من محطات الرسالة، نستضيء فيها بشعاع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ونستلهم من هديه ما يعيننا على السير في دروب الحياة.

ففي ذلك اليوم المبارك، أُعلن مقام الإمامة والولاية للأمة، لا بوصفه منصبًا تمنحه العواطف أو تصنعه القرابات، بل تكليفًا إلهيًا نزل به الوحي من السماء، حين خاطب الله تعالى نبيَّه الكريم بقوله:

﴿يا أَيُّهَا الرَّسولُ بَلِّغ ما أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَما بَلَّغتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهدِي القَومَ الكافِرينَ [سورة المائدة: 67].

فجاء الغدير ليُعلن للأمة أمرًا عظيمًا يرتبط بمستقبل الرسالة وامتداد مسيرتها، وليؤكد أن القيادة الربانية ليست شأنًا بشريًا خاضعًا للأهواء والاختيارات المتقلبة، بل هي امتدادٌ للهداية الإلهية التي أرادها الله لعباده.

عليٌّ مع الحق... والحقُّ مع علي

ولم يكن الإمام علي قائدًا عاديًا في تاريخ الأمة، بل كان المقياس الذي يُعرف به الحق من الباطل، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «عليٌّ مع الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ، يدورُ حيثما دار». [1] 

إنها شهادةٌ نبويةٌ عظيمة تؤكد أن نهج علي هو نهج الحق، وأن التمسك بقيمه ومبادئه هو تمسكٌ بخط الهداية والاستقامة.

على شاطئ علي

وفي يوم الغدير، نقف على شاطئ عليٍّ ، نغترف من بحر سيرته ما يروي ظمأ الأرواح، ونقتبس من نور مسيرته ما يبدد ظلمات الحيرة. فما أعظمها من سيرةٍ تقف الكلمات أمامها متواضعة، ويعجز القلم عن الإحاطة بجلالها!

فعن أي جانبٍ من جوانب عظمته نتحدث؟

أعن علمه الذي أصبح منارةً للأجيال؟

أم عن تقواه التي جعلته يعيش مع الله في كل لحظةٍ من حياته؟

أم عن عدله الذي لم يفرّق بين قريبٍ وبعيد، ولا بين غنيٍّ وفقير؟

أم عن أخلاقه الرفيعة، ورحمته بالناس، وحرصه على كرامة الإنسان؟

إن عليًا ليس مجرد شخصيةٍ نقرأ عنها في صفحات التاريخ، بل مدرسةٌ متكاملة، ومشروعٌ حضاريٌّ متجدد، ومنهجُ حياةٍ يبني الإنسان ويصنع الأمة.

عليٌّ... مشروع أمة

فمن قرأ عليًا بعين المعرفة، تعرّف إلى معاني الإيمان الحي. ومن قرأه بقلبٍ واعٍ، وجد أمامه مشروعًا للإصلاح والبناء. ومن قرأه بروحٍ متأملة، أبصر نورًا يهديه في منعطفات الحياة.

ولعل حاجة الأمة إلى عليٍّ اليوم ليست أقل من حاجتها إليه بالأمس؛ فهي بحاجةٍ إلى علمه في زمن الالتباس، وإلى عدله في زمن الظلم، وإلى حكمته في زمن الفتن، وإلى إنسانيته في زمن القسوة.

امتداد الرسالة ووليُّ المؤمنين

وإذا كانت الأمة تبحث اليوم عن القدوة التي تجمع بين الإيمان والعدل والحكمة، فإنها تجد ذلك متجسدًا في شخصية أمير المؤمنين ، ذلك الذي قال عنه رسول الله ﷺ: «إنّ عليًّا منّي وأنا منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن». [2] 

فهذه العلاقة الخاصة بين النبي وعلي لم تكن مجرد قربٍ أو نسب، بل كانت امتدادًا لرسالة السماء في صناعة الإنسان المؤمن وبناء المجتمع الرسالي.

محبة علي... عنوان الإيمان

ومن هنا كانت محبة الإمام علي جزءًا من هوية المؤمن وعنوانًا لإيمانه، حتى قال رسول الله ﷺ: «عنوانُ صحيفةِ المؤمنِ حبُّ عليِّ بنِ أبي طالب». [3] 

فحبُّه ليس مجرد عاطفةٍ عابرة، بل ارتباطٌ بالقيم التي جسدها من عدلٍ وتقوى وشجاعةٍ وإخلاص.

وقد بيّن النبي الأكرم ﷺ الأثر الروحي العميق لهذه المحبة بقوله: «حبُّ عليٍّ يأكلُ الذنوبَ كما تأكلُ النارُ الحطبَ». [4] 

لأن المحبة الصادقة تدفع الإنسان إلى الاقتداء بالمحبوب والسير على نهجه، فتسمو النفس وتبتعد عن مواطن الزلل والخطيئة.

الأمة بين الغدير وعلي

فكل من قرأ عليًا بوعيٍ صادق، خرج من قراءته أكثر بصيرةً، وأقرب إلى الحق، وأقدر على المساهمة في بناء مشروعٍ حضاريٍّ ينهض بالإنسان نحو الخير والكمال. وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تعود إلى مدرسة علي، لا لتقرأ سيرته فحسب، بل لتجعل من قيمه منهجًا للحياة، ومن عدله دستورًا للتعامل، ومن إخلاصه طريقًا إلى الله.

سلامٌ على عليٍّ يوم الغدير، ويوم كان للحق صوتًا، وللعدل رايةً، وللإنسانية نورًا لا ينطفئ.


[1]  شرح نهج البلاغة: 2 / 297
[2]  كنز العمّال: 32938
[3]  كنز العمّال: 32900
[4]  كنز العمّال: 33021
كاتب وأخصائي تغذية- القطيف