آخر تحديث: 4 / 6 / 2026م - 9:13 م

مشاعر داخل إطار خشبي

أنيس آل دهيم *

على أحد جدران منزلي تتربع لوحة قديمة لطفلٍ صغيرٍ يرفع يديه بالدعاء. قد يراها الزائر مجرد صورة داخل إطار خشبي عتيق، لكنني كلما وقعت عيناي عليها رأيت ما هو أبعد من الألوان والخطوط. رأيت وجوهاً رحلت، وذكرياتٍ عاشت، وأياماً مضت ولم تغادر قلبي.

منذ أكثر من ثلاثين عاماً أهدتني هذه اللوحة زوجة خالي، رحمها الله. كانت تحتفظ بها منذ سنوات زواجها الأولى، ورافقتها خلال رحلة طويلة من التنقل بين البيوت المستأجرة في مدينة الجبيل الصناعية. وبحكم إنتقالي للعيش معهم لدراسة المرحلة الثانوية في مدرسة أم القرى الثانوية بالجبيل الصناعية هممت بمساعدتهم أثناء الانتقال من منزل إلى آخر، كنت أشاهد هذه اللوحة تنتقل معهم من حي الحويلات إلى الفناتير ثم إلى الدفي، وكأنها فرد من أفراد الأسرة يحمل ذكرياته معه أينما ارتحل.

كانت زوجة الخال تخشى عليها من التلف مع كثرة التنقل، وكانت تعلم في الوقت نفسه مدى حبي للتصوير والفن البصري، فأهدتني إياها بكل محبة. ومنذ ذلك اليوم بقيت اللوحة في منزلي كما هي، بإطارها الخشبي القديم، بلا زجاج يحميها، وكأن الزمن احترم مكانتها ورفض أن يمسها بسوء.

ومرت السنوات، ثم رحلت صاحبة الهدية عن هذه الدنيا، وبقيت اللوحة معلقة في مكانها. لكنني اكتشفت مع الأيام أن الإنسان لا يفقد أحباءه دفعة واحدة، بل يحتفظ بهم في أشياء صغيرة متناثرة حوله. في صورة، أو كتاب، أو قطعة أثاث، أو حتى في فنجان قهوة اعتاد أن يجمعه بهم.

كلما نظرت إلى هذه اللوحة عادت إلى ذاكرتي تفاصيل كثيرة، طريقة حديثها، وابتسامتها، وحرصها على الآخرين، وحبها للخير. عندها بدأت أتساءل: لماذا تمتلك الصور هذه القدرة العجيبة على إعادة الماضي إلى الحاضر؟

العلم يقدم تفسيراً مدهشاً لهذه الظاهرة. فالدماغ لا يخزن الذكريات على شكل أحداث منفصلة فحسب، بل يربطها بالمشاعر والأماكن والأصوات والأشياء المحيطة بها. وعندما ننظر إلى صورة أو مقتنى ارتبط بشخص نحبه، تنشط في الدماغ مناطق الذاكرة والعاطفة معاً، فتعود إلينا الأحاسيس المرتبطة بذلك الشخص كما لو أنها حدثت بالأمس. ولهذا السبب قد تكفي نظرة واحدة إلى صورة قديمة كي نستحضر سنوات كاملة من حياتنا في لحظات معدودة.

ويطلق علماء النفس على ذلك اسم «الاستدعاء الترابطي للذاكرة»، حيث تصبح الأشياء المادية مفاتيح تفتح أبواب الذكريات المخزنة في أعماق العقل. أما من الناحية الإنسانية، فإن هذه الظاهرة تؤكد أن الروابط العاطفية لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تستمر في أشكال أخرى. فالحب لا يموت بموت الجسد، وإنما يتحول إلى ذكرى ودعاء وحنين يسكن الأشياء التي تركها الأحبة خلفهم.

ولهذا فإنني حين أنظر إلى هذه اللوحة لا أرى طفلاً جالساً للدعاء فحسب، بل أرى إنسانة عرفت معنى العطاء، وأستعيد جزءاً من زمن جميل لن يعود. إنها لحظة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، ويلتقي فيها العلم بالمشاعر، فتعجز الكلمات أحياناً عن وصف ما يشعر به الإنسان.

أما اللوحة نفسها فهي نسخة من العمل الفني الشهير «الطفل صموئيل في الصلاة» الذي رسمه الفنان الإنجليزي جوشوا رينولدز نحو عام 1776 م. وتصور طفلاً صغيراً جالساً بثوب أبيض بسيط، وقد رفع يديه بالدعاء ونظر إلى الأعلى في خشوع، بينما ينساب الضوء على وجهه من زاوية اللوحة ليبرز البراءة والسكينة الروحية التي أراد الفنان تجسيدها.

واليوم، وبعد مرور أكثر من قرنين ونصف على رسم العمل الأصلي، وأكثر من ثلاثين عاماً على وصول هذه النسخة إلى منزلي، أصبحت لهذه اللوحة قصة أخرى مختلفة تماماً عن قصة الرسام. فقد تحولت من عمل فني إلى وعاء للذكريات، ومن صورة معلقة على الجدار إلى شاهد صامت على إنسانة رحلت عن الدنيا، لكنها بقيت حاضرة في الوجدان.

لقد تعلمت من هذه اللوحة أن قيمة الأشياء لا تُقاس بثمنها، بل بما تحمله من مشاعر. وأن بعض المقتنيات تصبح مع مرور الزمن جزءاً من تاريخنا الشخصي، حتى لو كانت في نظر الآخرين مجرد صورة قديمة. لذلك كلما مررت بجانبها، أدركت أن أصحاب القلوب الطيبة لا يرحلون تماماً، بل يتركون في الأشياء من حولنا أثراً يروي حكايتهم، ويجعل ذكراهم تنبض بالحياة كلما وقع نظرنا عليها.

تصوير: أنيس آل دهيم