آخر تحديث: 4 / 6 / 2026م - 9:13 م

عليٌّ… محبةٌ لا تنطفئ

الدكتور ماهر آل سيف *

ما ذكرتُ الإمام علي بن أبي طالب إلا شعرتُ أن القلب يتهيّأ للسلام، وأن الروح تدخل محراب الهيبة والوئام؛ فهو ليس رجلًا عبر في التاريخ، بل قامةٌ أقامها الله على باب الحكمة، وسيفٌ أشرقه الحق في وجه الظلمة، ونورٌ إذا ذُكر أضاءت به الذاكرة، وارتفعت به المنابر، وخشعت له السرائر.

وكيف لا يخشع القلب لذكره، وقد قيل فيه: ”لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار“.

كلمةٌ لم تكن مدحًا عابرًا، بل كانت إعلانًا أن الفروسية إذا اكتملت صورتها لبست اسم علي، وأن الشجاعة إذا بلغت ذروتها وقفت عند بابه، تستأذن ولا تتجاوز.

أحببتُ عليًا لا لأنه بطلٌ في الميدان فحسب، بل لأنه بطلٌ في الإنسان؛ شجاعته عدل، وعدله رحمة، ورحمته علم، وعلمه عبادة. كان إذا تكلّم أوجز فأعجز، وإذا حكم أنصف فأشرف، وإذا قاتل تعفّف فتعفّرت أمامه كبرياء السيوف. في شخصيته اجتماع النقيض الجميل: قوةٌ لا تبطر، وتواضعٌ لا ينكسر، وزهدٌ لا يهرب من الحياة، وحكمةٌ لا تغيب عن صخبها.

وقد أحسن من قال في محبته ومقام أهل البيت:

يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حبُّكمُ
فرضٌ من اللهِ في القرآنِ أنزلهُ

يكفيكمُ من عظيمِ الفخرِ أنكمُ
من لم يُصلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ

وإن كان البيت في آل البيت جميعًا، فإن عليًا تاج ذلك البيت، وبابه العالي، وسنامه الغالي؛ به اكتمل معنى القرب، وبه تجلّى معنى الصبر، وبه صار الولاء للحق موقفًا لا مجاملة، ومبدأً لا مباهاة.

وما أعجبني فيه وحدي، بل أعجب به المسلمون على اختلاف مذاهبهم، فكلٌّ يرى فيه بابًا من أبواب الفضل، ومقامًا من مقامات النبل؛ السنّي يجلّه، والشيعي يهيم به، والصوفي يترنم بحكمته، والباحث يقف أمام عبقريته. بل حتى كثير من المسيحيين وجدوا فيه نموذج الإنسان الكامل في عدله وبلاغته وشهامته، فتغنّوا بسيرته، وكتبوا في نوره، ووقفوا أمام نهجه كما يقف العطشان على موردٍ عذبٍ لا يملّ ولا يذبل.

ولذلك قال فيه المنصفون من غير المسلمين كلماتٍ لا تصدر إلا عن قلبٍ رأى النور ولو من بعيد؛ رأوا في علي رجل العدالة إذا جار الزمان، ولسان البلاغة إذا صمت البيان، وفارس الأخلاق إذا تكسّرت سيوف الرجال أمام فتنة الدنيا وزخرف السلطان.

عليٌّ ليس ملكًا لطائفة، بل ميراثٌ للفضيلة، وضميرٌ للعدالة، ونداءٌ لكل قلبٍ يبحث عن الحق بلا خصومة، وعن الشجاعة بلا قسوة، وعن العلم بلا غرور. لذلك أحبه؛ لأن حبه يرفعني، وذكره يعلّمني، وسيرته تذكّرني أن الإنسان لا يكبر بالمال والجاه، بل يكبر إذا صار للحق لسانًا، وللمظلوم أمانًا، وللزمان عنوانًا.

سلامٌ على عليٍّ يوم وُلد في محراب الطهر، ويوم عاش في ميادين البذل، ويوم مضى شهيدًا وقد ترك في الأرض عدلًا يُروى، وحكمةً تُتلى، ومحبةً لا تُنسى، واسمًا كلما حاول الزمن أن يبتعد عنه عاد إليه خاشعًا، قائلًا: هنا مرّ رجلٌ لا يشبه الرجال.