ما تفتقده البشرية
رفعت الأديان السماوية كثيرًا من قيمة العقل، وشرّفت الإنسان به، وللعقل في الإسلام منزلة كبيرة، وقد تعددت الآيات القرآنية وأقوال العترة الطاهرة وكثير من الفلاسفة والعلماء التي تحث على تفعيل العقل لخدمة المصالح المشروعة للفرد والمجتمع والنطاق العالمي.
فالعقل هو القوة المبدعة التي منحها الله عز وجلّ إلى الإنسان وميّزه به وشرفه على بقية الموجودات، وجعله خليفته في الأرض، ووصل بهذا العقل إلى الفضاء، واكتشف اكتشافات لا تُعد ولا تُحصى، يعيش الإنسان بفضلها سعادته ورفاهيته وتدبير شؤون حياته بوضعه الشيء في مكانه، ويبتعد عمّا حرّم الله وتجرّمه القوانين الوضعية، وكل ما يشينه اتباعًا لهواه، ويميز به بين الصواب والخطأ، وبين الصالح والطالح، وبين الضار والمفيد، وبين ما فيه صلاح للإنسانية وما فيه خرابها، فمن تم له عقله تم له كل شيء، فالعقل زينة الحياة وحسنة كبرى من حسنات الله تبارك وتعالى، ونعمة عظمى لا تحصى فضائلها، إذا استُخدم لما خلقه الله تعالى له، وأن يُعتمد مرجعيةً في التصرف واتخاذ القرار، ومن دون ذلك تقع الكوارث وتنتشر الحروب ويهيمن الشر وتعم الكراهية على البشرية جمعاء، وهذا ما يُشاهَد فيما تعانيه البشرية من معاناة لعدم استخدام هذه الهبة العظيمة في مكانها الصحيح.
اليوم، الحياة المعاصرة والعلاقات في العالم تنعدم فيها العقلانية ووضع كل أمر موضعه وعدم الانجرار وراء الرغبات والأطماع والهيمنة، وصوت العقل يُقمع على المستوى العالمي بمختلف القضايا التي تواجه المجتمعات البشرية، والوضع المعاصر خير شاهد لما تعيشه الإنسانية من غياب العقل أو استخدامه في غير محله، فالحروب ثمرة من ثمرات استعمال العقل في غير محله، واستغلاله لأغراض غير مشروعة، بل زيادة على ذلك التفنن في القتل والسيطرة والترهيب والتهديد، وأصحاب الفكر المهيمن يستخدمون عقولهم للإضرار بالآخرين وبمن لا يخدم أهدافهم ويوافق على استغلالهم، ولا مكان في عقليتهم للحوار والوصول لنقاط مشتركة مبنية على العقلانية.
قد يجد كثير من متابعي الوضع العالمي صعوبة في فهم مغازي بعض التوجهات العالمية ووضعها في مكانها نظرًا للحالات المعاشة على الواقع، فما يحدث في العلاقات بعيدًا عن العقلانية، بل بكل ما تعنيه الكلمة هو شريعة الغاب، واستخدام العقل بدون حيادية وازدواجية متعمدة، بل اتهام من يخالف التوجهات اللاعقلانية بغير العقلاني الذي يجب إسكاته وقمعه، ويمكن تسمية الحروب وافتعال الأزمات بالعمل العقلاني وأهداف نبيلة ومسميات منمقة ظاهرها خير وباطنها شر، والتطور الآن هو استعمال اللاعقلانية بشكل مكشوف في التعاملات العالمية بين القوي والضعيف، من قبل قوى وهيئات وشركات عالمية بما لا يخدم صالح البشرية، وينشر النزاعات ويبرر التدخلات.
إن رأس مال المرء في كل أموره في الحياة هو التعقل، فالتعقل هو نبراس الحياة وضياؤها ومنبع الخير ورأس الفضائل ومنتهى الكمالات، وما منّ الله تعالى على عباده بنعمة مثل العقل، وهذا ما تفتقده البشرية وما تحتاجه لمجتمعات يعمها الأمن والأمان وسلامة الإنسان.













