الفاكهة المحرمة
الفاكهة المحرمة هي الغيبة، وهي أن يُذكر المؤمن بعيب في غيبته مما يكون مستورًا عن الناس، سواء أكان بقصد الانتقاص منه أم لا، وسواء أكان العيب في بدنه أم في نسبه أم في خلقه أم في فعله أم في قوله أم في دينه أم في دنياه أم في غير ذلك مما يكون عيبًا مستورًا عن الناس.
كما لا فرق في الذكر بين أن يكون بالقول أو بالفعل الحاكي عن وجود العيب، وتختص الغيبة بصورة وجود سامع يقصد إفهامه وإعلامه، أو ما هو في حكم ذلك.
كما لا بد فيها من تعيين المغتاب، فلو قال: «واحد من أهل البلد جبان» لا يكون غيبة، وكذا لو قال: «أحد أولاد زيد جبان»، نعم قد يحرم ذلك من جهة لزوم الإهانة والانتقاص لا من جهة الغيبة.
فيجب عند وقوع الغيبة التوبة والندم، والأحوط استحبابًا الاستحلال من الشخص المغتاب - إذا لم تترتب على ذلك مفسدة - أو الاستغفار له.
للأسف، تتفشى الغيبة في مجتمعاتنا؛ إذ تصدر أحيانًا من مؤمنين ومتدينين ومحافظين، إلا أنها تكون فاكهة المجالس، ويغيب عنا الأثر السلبي من ناحية الحرمة، ومن الناحية الأخلاقية.
إن الله - سبحانه وتعالى - حرمها بوصف بشع جدًا، في قوله تعالى:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].
إذ شبه المُغتاب بمن يأكل لحم أخيه ميتًا، وصف عميق جدًا عندما تتصور وتتخيل هذا الوصف الدموي الذي لا يقبل به بعض الحيوانات، وهو أكل الميتة، فكيف بالإنسان الذي كرمه الله على سائر تلك المخلوقات؟ وفي الشريعة الإسلامية لا نأكل الذبيحة التي لم تذك ويذكر عليها اسم الله - سبحانه وتعالى -، ولا نأكل النطيحة والمتردية وما أكل السبع، فكيف به يأكل لحم بشر مثله وبأبشع طريقة؟ وهي في حد ذاتها قبيحة في نفسها وذاتها.
أما من الناحية الأخلاقية فهي تنخر في المجتمعات كالدود، مخلّفةً التفكك والانحلال المجتمعي، ومُذهبةً معنى الرجولة والإيمان، وهي لا تقل حرمة عن باقي المحرمات، ووردت روايات عديدة في الغيبة.
ومنها عن النبي محمد ﷺ قال:
«وأوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمران أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة، وإن لم يتب فهو أول من يدخل النار». [بحار الأنوار ج 75 ص 222].
وعنه ﷺ قال:
«إياكم والغيبة، لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه».
وللغيبة عوامل كثيرة ودوافع متعددة يكاد كل واحد منها يكون سببًا كافيًا لارتكابها، ومن هذه الدوافع: شفاء غيظ، ومساعدة قوم، وتهمة، وتصديق خبر من دون التثبت منه، وسوء ظن، وحسد، وسخرية، وتعجب، وتبرم، وتزين.
كذلك لا يجوز للوالدين أن يغتابوا أبناءهم، ولا يغتاب الأبناء والديهم، ولا يغتاب الأخ أخته، ولا تغتاب الأخت أخاها، أو يغتاب الأقارب بعضهم بعضًا، ولا يغتاب الناس بعضهم بعضًا، وكلها تندرج ضمن الغيبة المحرمة.
فيجب على الإنسان أن يتوب عن الغيبة وأن يستغفر، وأن يبتدئ بمحاسبة نفسه ومراقبتها، ويتفكر في عيوبه بدلًا من التركيز في عيوب الآخرين، ويصلح ذاته، ويحسن بدل الإساءة، وأن يبدلها بدعاء أو بالكلام الطيب عن الناس. فإن أردت السلامة فاذكر الخالق لا المخلوق، فيصير ذلك مكان الغيبة عبرة، ومكان الإثم ثوابًا.
فلنحرص على أن تكون مجالسنا عامرة بذكر الله، مبتعدين عن الغيبة وذكر الناس، وأعراض الناس، والتدخل في شؤونهم؛ لأنها من أشد وأعظم المحرمات. وفقنا الله وإياكم، وأبعدنا عن هذه المحرمات، وجملنا بحفظ اللسان.













