آخر تحديث: 1 / 6 / 2026م - 7:12 م

الشهيد الأول نبراس العلماء

عبد الجبار سلاط

منَّ الله علينا بإتمام قراءة ودراسة الجزء الأكبر من كتاب «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» للمحقق الحلي أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن «602-672 هـ» في حوزة القطيف المباركة، تحت إشراف وصحبة سماحة الشيخ رضي المطر، ثم أكمل تدريس الفصول الباقية سماحة الشيخ شاكر الناصر، عندها بدأنا في دراسة «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» للشهيدين السعيدين: محمد بن جمال الدين مكي العاملي وزين الدين الجبعي العاملي. ومن هنا بدأت أفكر في الكتابة عن الشهيد الأول، وآمل أن أوفق للكتابة عن الشهيد الثاني، وهما من فقهائنا الإجلاء «عليهم الرحمة»، وأعتبر نفسي مقصرًا، إذ كيف طوال هذا العمر لم أوفق بمعرفة أو اطلاع على هذه الشخصيات العملاقة في الأمة.

المترجَم له من جِزين في جبل عامل بالجنوب اللبناني، وجزين بكسر الجيم، والزاي مشددة مكسورة مع مد الياء، والنون ساكنة في النهاية، وهي قرية لبنانية من قرى قضاء جِزِّين في محافظة الجنوب، بينها وبين صيدا 40 كم، وبينها وبين بيروت 80 كم جنوبًا، تحيط بها قمم الجبال وغابات الصنوبر، ومتوسط ارتفاعها 950 مترًا، وهي مصيف سياحي، وتنتج الأشغال اليدوية كالسكاكين والخناجر التقليدية «الشبكة العنكبوتية».

نسبه وولادته: الشيخ شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن جمال الدين مكي المطلبي القرشي العاملي، المعروف ب«الشهيد الأول» «734-786 هـ الموافق 1333-1385 م»، ولد في جِزين في جبل عامل، والدته السيدة علوية من آل معية في العراق، ووالده الشيخ أبو محمد مكي بن محمد بن حامد المطلبي العاملي من بني المطلب القرشي.

يعتبر من أبرز فقهاء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في القرن الثامن الهجري الذين تركوا آثارًا واضحة في الفقه الشيعي تجديدًا وتطويرًا وتنقيحًا، وله مؤلفات عديدة قيّمة تُعد من أهم المصادر التي يرجع إليها الشيعة في دراسة الفقه والعلوم الشرعية، ومن أبرزها اللمعة الدمشقية والدروس الشرعية، اللذان يُعدان من الكتب الأساسية في الحوزات العلمية حتى يومنا هذا.

أساتذته: في بداية حياته الدراسية، وفي مسقط رأسه، تلقى العلوم الدينية على يد والده الشيخ جمال الدين مكي بن الشيخ محمد شمس الدين، وكذلك الشيخ أسد الدين الصائغ الجزيني العاملي، والد زوجته وعم أبيه، وكان هذا عالمًا كبيرًا يتقن ثلاثة عشر علمًا من العلوم الرياضية.

هاجر الشهيد الأول، وهو بعد لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، إلى الحلة بالعراق، إذ كانت تُعد من مراكز الحركة العلمية في الأوساط الشيعية الإسلامية، وقد تتلمذ على يد فخر المحققين «682-771 هـ» نجل العلامة الحلي «محمد بن الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، من فقهاء الإمامية في القرن الثامن للهجرة»، وقد تربى على يد والده، وبلغ درجة الاجتهاد، وهو ما يزال شابًا يافعًا. وقد أجاز له الرواية عنه سنة 751 هـ. كما تتلمذ على يد الفقيه الشيخ ابن معية «ت 776 هـ»، السيد تاج الدين أبو عبد الله محمد بن القاسم بن الحسين الحسني الديباجي الحلي، وكان من كبار علماء الإمامية، وبرز بشكل لافت كأحد أعظم نسابي عصره «خبير في علم الأنساب»، ومن مؤلفاته «وعاظ السلاطين». ومن أساتذته أيضًا السيد عبد المطلب بن السيد مجد الدين بن الفوارس، وأخوه السيد ضياء الدين عبد الله بن الفوارس، وهما ابنا أخت العلامة الحلي.

وفي سنة 776 هـ اجتمع الشهيد الأول في الشام بالفقيه المحقق قطب الدين الرازي البويهي محمد بن محمد بن أبي جعفر الرازي «ت 776 هـ» الملقب بقطب الملة والدين، حكيم إلهي بارع في المنطق والمعقولات وتلميذ العلامة الحلي، قرأ عليه الشهيد الأول الفلسفة والحكمة.

مشايخه في الرواية: منهم السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار الموسوي، والسيد علاء الدين علي بن زهرة الحلي، والشيخ إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن سعد الله بن جماعة، والشيخ إبراهيم بن عمر الملقب ببرهان الدين الجعبري شيخ مشيخة مقام الخليل بفلسطين.

تلامذته: استطاع الشهيد الأول تعليم العديد من الطلاب، ومن بينهم أبناؤه، نذكر بعضهم:

1- السيد أبو طالب أحمد بن القاسم بن زهرة الحسيني.

2- الشيخ جمال الدين أحمد بن النجار صاحب الحاشية على قواعد العلامة الحلي.

3- الشيخ جمال الدين أبو منصور الحسن بن الشهيد الأول، أجازه والده الشهيد.

4- الشيخ ضياء الدين أبو القاسم علي بن الشهيد الأول، أجازه والده الشهيد.

5- الشيخ رضي الدين أبو طالب محمد، أكبر أبناء الشهيد الأول، أجازه أبوه مرتين، يروي عن أبيه وعن ابن معية.

6- الفقيهة الفاضلة فاطمة المدعوة بست المشائخ، تروي عن أبيها وعن السيد تاج الدين ابن معية إجازة، وكان أبوها يثني عليها ويأمر النساء بالاقتداء بها والرجوع إليها، فكانت مثال المرأة المؤمنة المثقفة، وكانت موضع احترام وعناية الفقهاء والناس عامة، وعند وفاتها حضر تشييعها سبعون مجتهدًا من جبل عامل، وقد وهبت ما يخصها من تركة أبيها في جزين لأخويها ابتغاء وجه الله تعالى، وفي مقابل ذلك عوضها أخواها بكتب في الفقه.

7- الشيخ عبد الرحمن العتائقي الحلي «ت 780 هـ»، يُعد العتائقي شخصية موسوعية ومحورية في التراث الإسلامي، وقد جُمع تراثه ومؤلفاته مؤخرًا في «موسوعة الشيخ ابن العتائقي الحلي»، وغيرهم من الطلبة الذين لا يسع المقام لذكرهم.

مؤلفاته: امتازت مؤلفاته بالتنقيح والتنظيم، وهو أول فقيه إمامي قام بتدوين القواعد الفقهية في تاريخ فقه الشيعة بصورة منهجية، ومن أبرز مؤلفاته: كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، وهو فقهي استدلالي، وكتاب الدروس الشرعية في فقه الإمامية، وكتاب البيان في الفقه، وكتاب الأربعون حديثًا، وكتاب القواعد والفوائد، وكتاب اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية، وغيرها من المؤلفات.

اللمعة الدمشقية: هو كتاب مختصر في الفقه يتميز بمتانة الاستدلال وتركيز الدليل وتجنب الخوض في المناقشات المطولة للآراء وجمال التعبير، وهذا ما جعله جزءًا من المنهاج الدراسي للحوزات العلمية في الفقه إلى اليوم الحاضر، وهو أول كتاب استدلالي يقرؤه الطالب في الفقه، ويلاحظ عليه استخدام واسع للقواعد الفقهية.

يذهب بعض المؤرخين إلى أن الشهيد «عليه الرحمة» ألّف هذا الكتاب في مدة حبسه في قلعة الشام في سبعة أيام، وما كان يحضره من كتب الفقه سوى كتاب «المختصر النافع في فقه الإمامية» للمحقق الحلي «603-676 هـ».

ما تميّزت به شخصيته: مع استلام الأيوبيين للحكم من الفاطميين بدأت مرحلة من الضمور الكبير للحالة الشيعية في مصر والشام، ومن بعدهم المماليك عام 648 هـ ليواصلوا نفس السياسة التي مارسها سلفهم الأيوبيون في التضييق على الشيعة، وكانت أيامهم من أشق الفترات على شيعة الشام «تشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين». وفي ظل هذه الظروف حاول الشهيد أن يوصل مدرسته في جِزين بجبل عامل بمدرسة الحلة، ويجعل من جبل عامل مدرسة للفقاهة والثقافة الإمامية، وكانت هذه المدرسة البذرة التي نمت فيما بعد وأثمرت واتسعت واستتبعت مدارس فقهية أخرى في مناطق كثيرة من جبل عامل.

• انفتاحه الثقافي والعلمي: عُرف الشهيد الأول بانفتاحه الثقافي والعلمي، فقد قرأ على عدد من مشايخ أهل السنة، وروى عن أربعين شيخًا من علمائهم بمكة المكرمة والمدينة المنورة وبغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس، فكان على صلة وثيقة بالاتجاهات الفكرية السنية، ومعرفة تامة بآرائها وأفكارها، ولم يكن ممن ينطوي فكريًا على نفسه.

• عمل الشهيد الأول على تنظيم علاقة الأمة بالفقهاء من خلال المشايخ الوكلاء الذين ينوبون عن الفقهاء في تنظيم شؤون الناس في دينهم ودنياهم، ويقال إن الشهيد الأول هو أول من أوجد هذه العلاقة بين الفقيه ومشايخ المناطق، وتطورت ونمت فيما بعد.

• كان لدى الشهيد الأول منزل عامر في دمشق يلتقي من خلاله بالعلماء والطلبة من مختلف المذاهب الأربعة، وكان يتردد بين دمشق وجِزين.

• قال عنه أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الحر العاملي «1033-1104 هـ»، صاحب الوسائل: «كان الشهيد الأول عالمًا ماهرًا فقيهًا محدثًا مدققًا ثقة متبحرًا كاملًا جامعًا لفنون العقليات والنقليات، زاهدًا عابدًا ورعًا شاعرًا أديبًا منشئًا، فريدة دهره وعديم النظير في زمانه».

• وقال عنه أستاذه فخر الدين محمد بن العلامة الحلي: «وقرأ على مولانا الإمام العلامة الأعظم أفضل علماء العالم سيد فضلاء بني آدم مولانا شمس الحق والدين محمد بن مكي».

استشهاده: كان استشهاده في اليوم التاسع من جمادى الأولى سنة 786 هـ، قُتل بالسيف، ثم صُلِب، ثم رُجم، ثم أُحرق جثمانه بدمشق بفتوى القاضي برهان الدين المكي وعباد بن جماعة، بعد سجن دام سنة كاملة في قلعة الشام.

قيل إن سبب قتله وشاية من رجال اليالوشي الذين كتبوا محضرًا يشتمل على مقالات شنيعة بحق الشهيد، اتهموه بميله إلى النصيرية، وإباحته الخمر، وغيرها من الافتراءات.

ويرى البعض أن موقف القاضي ضد الشهيد الأول كان منبعه الحسد، وهو من قام بكتابة العريضة ضد الشهيد الأول بعد مناظرته وإفحامه، ورفعها إلى حاكم دمشق في عهد السلطان برقوق «دولة المماليك 647-923 هـ».

رحم الله علماءنا الماضين، وحفظ الله وسدد علماءنا الباقين، ولا حرمنا فوائدهم وبركاتهم.

استشهد في يوم الخميس 9 جمادى الأولى سنة 786 هـ في عهد السلطان برقوق، وبفتوى من القاضي برهان الدين المالكي، وعباد بن جماعة الشافعي.