آخر تحديث: 1 / 6 / 2026م - 7:12 م

العقل يتعلم مما يرى والقلب يتشكل بما يحب

مصطفى صالح الزير

مَن تُحبّ أن تصبح جزءًا منه: كيف تُشكّل «القدوات الخفية» شخصياتنا؟

في زماننا هذا، أصبحت شاشات الهواتف أقرب إلينا من كثير من الناس. ولم يعد تعليم الإنسان وتربيته محصورين في الأسرة أو المدرسة أو المجتمع الذي يعيش فيه فقط. لقد دخلت إلى بيوتنا وعقولنا شخصيات لا نعرفها في الواقع، وأفكار غريبة لم نتربَّ عليها، وأصوات تتكرر أمامنا كل يوم حتى أصبحت تشارك في تشكيل عقولنا، ومشاعرنا، وطريقة تصرّفنا.

والحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن الإنسان لا يتأثر فقط بمن يجلس معهم في الغرفة، بل يتأثر أكثر بمن يحبهم، ويعجب بهم، ويتابعهم باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي. فالإعجاب ليس مجرد شعور عابر، بل هو قوة تربوية هائلة تعيد بناء الإنسان من الداخل، وتغير طريقته في التفكير والنظر إلى الحياة.

القلب يقلد من يعشق:

من طبيعة النفس البشرية أنها تحب التقليد؛ فالطفل يقلد والديه، والطالب يقلد معلمه، والشاب يقلد الشخص الذي يراه نموذجًا للنجاح أو الشهرة.

ومع تكرار المشاهدة والمتابعة، يبدأ الإنسان في اكتساب صفات من يعجب بهم دون أن يشعر، فيكرر كلماتهم، ويتأثر بأفكارهم، بل ويرى العالم من خلال أعينهم.

لهذا السبب، لم يكن «الحب» في الدين مجرد إحساس في القلب، بل هو طريق للتربية وبناء الشخصية. فكلما زاد حب الإنسان للصالحين وأهل الخير، ازداد ميله لأخلاقهم وسلوكهم. وكلما تعلق قلبه بأهل التفاهة والانحراف، وجد نفسه يسير بالتدريج في طريقهم.

قال الله تعالى:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46]

هنا تظهر الحقيقة: الخطر الحقيقي ليس في الشيء الذي تراه العين، بل في الأثر الذي يتركه داخل القلب من تعلق واعتياد. فكل ما يراه الإنسان ويتفاعل معه، إما أن يزيد عقله نورًا وبصيرة، أو يترك على قلبه غشاوة وضياعًا.

وعن حبيبي رسول الله محمد ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حُشِرَ مَعَهُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ عَمَلَ قَوْمٍ أُشْرِكَ فِي عَمَلِهِمْ…»

وفي حديثٍ آخر عنه ﷺ: «أَحِبَّ الصَّالِحِينَ فَإِنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ…».

وفي مدرسة أهل البيت ، يتحول الحب إلى مشروع تربوي متكامل، لا يقف عند العاطفة فقط، بل يمتد ليكون دليلًا للسلوك والمصير. وهذا قانون روحي واجتماعي ثابت: أنت تنتمي داخليًا ونفسيًا للشيء الذي تحبه، قبل أن تنتمي إليه بأفعالك.

وحين تتعلق قلوبنا بمحمد وآل محمد ، فنحن لا نتعلق بشخصيات من التاريخ فقط، بل برابطة حية مع النموذج الإنساني الكامل الذي يمثل الطهر والأخلاق، ويمدّوننا بنور البصيرة والهداية.

لماذا نحتاج إلى القدوات الصالحة في حياتنا؟

لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بما حوله. وقد أثبت علماء النفس أن جزءًا كبيرًا جدًا من تصرفات البشر نكتسبه عبر الملاحظة والتقليد. فالإنسان لا يتعلم من النصائح أو الكلام الجاف فقط، بل يتعلم من النماذج الحية التي يراها أمامه.

القدوة الصالحة تغرس في النفس قيم الصبر، والرحمة، والصدق، والأمانة، ومساعدة الآخرين.

القدوة السيئة أو الفارغة تزرع في النفس الأنانية، والغرور، وحب المظاهر، والاستخفاف بالقيم والأخلاق.

الشاشات المربّي الجديد في العصر الحديث:

في الماضي، كان من السهل معرفة من يؤثر فينا: الأب، والأم، والمعلم، أو الصديق. أما اليوم، فالهاتف المحمول يحمل مئات المؤثرين الذين يدخلون عقولنا وبيوتنا كل ثانية.

يقضي البعض ساعات طويلة في متابعة شخصيات لا يعرفون عنها سوى صورة جميلة أو أسلوب ممتع أو ترند أو عدد كبير من المتابعين، ولا يدركون أن هذه المتابعة المتكررة تغير طريقة تفكيرهم ونفسياتهم. فالدماغ البشري يتعامل مع الشيء المتكرر على أنه أمر طبيعي ومقبول، ومع الوقت يقل استنكارنا للأخطاء بسبب كثرة رؤيتها.

حب الصالحين هو حصن يحميك:

حين يُعلِّق الإنسان قلبه بالأنبياء والأئمة والعلماء الصالحين، فهو لا يكسب مشاعر طيبة فحسب، بل يضع نفسه في مدرسة عظيمة للأخلاق والتربية؛ لأن المحب يحاول دائمًا أن يشبه محبوبه.

من أحب الصادقين، تعلم الصدق واشمأزَّ من الكذب.

من أحب الكرماء، تعلم العطاء وترك الأنانية.

من أحب أهل العبادة، اقترب قلبه من الله سبحانه وتعالى.

هذا الحب هو الحصن الذي يحمي الإنسان من الانحراف ويعطيه مناعة أخلاقية ضد فتن الزمان.

اختبار بسيط يكشف لك مستقبلك:

إذا أردت أن تعرف كيف ستكون شخصيتك وأفكارك بعد سنوات، انظر بصدق إلى الأشخاص الذين تتابعهم وتأخذ من وقتك اليوم:

من الشخص الذي يثير إعجابك، وتتابع أخباره؟

من الذي تنتظر كلامه وتتأثر به؟

ما هو المحتوى الذي تقضي فيه الساعات الطويلة؟

الجواب على هذه الأسئلة هو ملامح الشخصية التي ستكون عليها في المستقبل، فالأرواح تسير نحو ما تحب، والإنسان يصبح مع الأيام نسخة من الأشياء التي يكثر من النظر إليها والاهتمام بها.

كيف نحمي بيئتنا النفسية؟

حماية أنفسنا لا تقتصر على تجنب الأخطار الجسدية فقط، بل تشمل حماية عقولنا وقلوبنا وأرواحنا عبر خطوات بسيطة:

اختيار القدوات بعناية؛ نختار من يرفع وعينا وأخلاقنا.

البديل الصالح: قراءة سير الأنبياء وأهل البيت وأهل العلم ومصاحبة أهل الخير.

تنظيف الهاتف: تقليل متابعة المحتوى الذي ينشر التفاهة، أو الكراهية، أو الأخلاق السيئة.

همسة:

ليست كل العلاقات تُبنى بالكلام الحضوري؛ فبعض العلاقات تُبنى بالنظر، والمتابعة، والإعجاب الصامت. قد لا تجلس يومًا مع شخص تحبه، لكنك قد تحمل الكثير من أفكاره وأخلاقه بسبب تعلق قلبك به.

الإنسان لا يصبح فجأة صالحًا أو سيئًا، بل يتشكل خطوة بخطوة من خلال ما يحب، وما يتابع، وما يعظمه في قلبه.

لذلك احرص على أن يكون في حياتك نماذج تستحق الاقتداء، وأن يكون قلبك معلقًا بأهل الإيمان والخير والصلاح والفضيلة.

ومن أعظم ما يرفع الإنسان أن لا يكتفي بحب الصالحين، بل يجعلهم بوصلة حياته، فيقترب منهم خُلقًا وسلوكًا وروحًا، حتى يصير منهم معنًى وإن لم يكن معهم جسدًا.

ومن أجمل نعم الله على الإنسان أن يرزقه حبَّ محمد وآل محمد، وأن يتخلّق بأخلاقهم الطيبة، ويتحلّى بآدابهم المباركة؛ لأن القلوب إذا أحبّت تعلّقت بالنور وسارت نحوه، وإذا سارت نحوه أشرقت به.

فحبُّهم ليس عاطفةً عابرة، بل قوةٌ تربوية وروحية تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل؛ تُهذّب طباعه، وتُرقّق قلبه، وتسمو بأفكاره، وتجعله أكثر قربًا من معاني الرحمة والصدق والإخلاص. وكلما ازداد العبد اقتداءً بهم، ازداد نصيبه من نور البصيرة، فصار يرى الحياة بعين الحكمة، ويتعامل مع الناس بروح المودّة والإحسان.

إنّ الأرواح تتأثر بمن تُحب، والقلوب تكتسب شيئًا من صفات من تتعلّق بهم؛ فإذا كان التعلّق بمحمد وآل محمد ، كان الأثر طهارةً في القلب، ونبلًا في الخلق، وثباتًا في المواقف، وسكينةً في النفس.

وحين يتحلّى المؤمن بآدابهم المباركة، فيتواضع كما تواضعوا، ويعفو كما عفوا، ويصبر كما صبروا، ويُحسن كما أحسنوا، يصبح حبُّهم حقيقةً حيّةً تنطق بها أفعاله قبل كلماته.

فطوبى لقلبٍ عمره الله بمودّتهم، ولسانٍ يلهج بذكرهم، ونفسٍ تسعى للاقتداء بهم؛ فإنهم أبواب الهدى، ومصابيح الدجى، ومن سار على نهجهم سار في طريق النور، ومن استضاء بهديهم أشرق قلبه بالإيمان، وامتلأت حياته خيرًا وبركةً وأملًا.

اللهم ارزقنا بمحمدٍ وآل محمد، وثبّتنا على ولايتهم، واجعل أخلاقهم أخلاقنا، وآدابهم آدابنا، واملأ قلوبنا بنورهم، إنك أرحم الراحمين.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.

والحمد لله رب العالمين.