من عبق الماضي: الفزعة في القطيف ”نخوه لا تشيخ“
حين نستعيد صفحات الماضي الجميل في القطيف، لا نستحضر المباني القديمة والأزقة الضيقة والنخيل الباسقات فحسب، بل نستحضر قبل ذلك منظومة من القيم الاجتماعية التي شكلت روح المجتمع ونسجت بين أفراده روابط متينة من المحبة والتعاون والتكافل، ومن أبرز تلك القيم ما كان يعرف «بالفزعة»، وهي عادة اجتماعية أصيلة تجسدت فيها معاني النجدة والمساندة والمؤازرة في أبهى صورها.
وقبل المضي في الحديث عن هذه القيمة النبيلة، أجدني أتوقف عند بلدة القديح التي ارتبط اسمها في أذهان الكثيرين بالنخوة والمروءة وسرعة الاستجابة لنداء المحتاج، ولعل القارئ الكريم يلتمس لي العذر إن بدأت منها، فهي البلدة التي أنتمي إليها وأعرف شيئًا من تاريخها وذاكرتها الاجتماعية.
وقد اشتهرت القديح بروح الفزعة والتكاتف حتى جرت على ألسنة الناس عبارات شعبية تعبّر عن هذه المكانة، ومن أشهرها قولهم: «يا عيال مضر يا فور»، وهي عبارة كانت تقال عند استنهاض الهمم وطلب النجدة، وفي إشارة إلى أهل مضر وما عرف عنهم من سرعة المؤازرة والمبادرة.
وقد تفردت القديح أيضًا بإجارة الغريب، وحماية من يلجأ إليها، والوقوف معه والدفاع عنه، وكانت تعرف بروح الفزعة الحاضرة في مختلف المواقف، وعرفت بتكاتف أهلها عند الحوادث، فكانوا يتسابقون لإطفاء الحرائق قبل وصول فرق الإطفاء «الدفاع المدني»، في مشهد يعكس سرعة الاستجابة وروح المسؤولية الجماعية التي تميزوا بها.
ومن أبرز ما اشتهرت به كذلك عنايتهم الكبيرة بمواكب التشييع، إذ كانت القديح كلها تهب لتشييع من توفي، في صورة مؤثرة من صور التلاحم الاجتماعي، حيث يشارك الجميع في أداء واجب العزاء ومساندة أهل الفقيد، تأكيدًا على عمق الروابط الإنسانية التي جمعت أبناء البلدة عبر الزمن.
ويرتبط اسم مضر في الموروث الشعبي للقديح بشخصية تاريخية قديمة يعتقد أنها من أوائل من سكن البلدة وكان له شأن فيها، حتى ظل اسمه حاضرًا في بعض معالمها التاريخية، ومن أبرزها «العين المضرية» الشهيرة، وهي شاهد من شواهد تاريخ القديح العريق الذي يطول الحديث عنه ويتسع له مقام آخر.
غير أن الفزعة لم تكن سمة خاصة بالقديح وحدها، بل كانت ثقافة عامة سادت مختلف قرى ومدن القطيف، حيث تربى الناس على معاني التعاون والتكافل والشعور بالمسؤولية المشتركة، فما إن يحتاج أحد أبناء المجتمع إلى عون حتى تجد الأيدي إليه قبل أن يطلب المساعدة، وكأن الجميع أسرة واحدة يجمعها بيت كبير.
وفي البيئة الزراعية التي اشتهرت بها القطيف، برزت الفزعة بصورة واضحة خلال مواسم العمل في المزارع، فعند صرام النخيل وجني الرطب والتمر، أو أثناء تنظيف الجداول المائية والسواقي، أو إصلاح ما تضرر من المزارع، كان الجيران والأقارب يتعاونون فيما بينهم لإنجاز الأعمال التي يصعب على الفرد القيام بها وحده. أجل، كانت تلك الأيام تجمع بين العمل الجاد والأحاديث الودية وروح الألفة التي تجعل المشقة أخف وطأة.
وعرفت الفزعة عند تشييد المنازل الطينية والقديمة، إذ كان بناء البيت حدثًا اجتماعيًا يشارك فيه أبناء الفريق «الفريج، الحي» والأقارب، فمنهم من يساعد في إعداد الطين ومنهم من ينقل المواد وآخرون يشاركون في أعمال البناء المختلفة، حتى يكتمل المنزل وسط مشاعر من الفرح الجماعي، وكأن البيت الجديد قد بني للجميع لا لصاحبه وحده.
وفي المناسبات الاجتماعية كانت الفزعة حاضرة بقوة، ففي الأعراس يتوزع أبناء الحي على مختلف المهام من استقبال الضيوف وتجهيز المكان وإعداد مستلزمات المناسبة، بينما تمتد أيادي المساعدة في مناسبات العزاء لتخفيف الأعباء عن أهل المصاب، فيجدون من يقف معهم ويواسيهم ويشاركهم المسؤوليات المختلفة.
وكان للمرأة القطيفية نصيبها المشهود من هذا الإرث الاجتماعي، حيث تتعاون النساء في تجهيز مناسبات الزواج وإعداد الأطعمة الشعبية ومساندة الأسر عند الحاجة، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي الذي ميز المجتمع آنذاك.
ولعل أجمل ما في الفزعة أنها لم تكن قائمة على المصالح أو المكاسب، بل على المحبة الصادقة والشعور بأن حاجة الآخر مسؤولية مشتركة، فالجار يعرف جاره وأبناء الفريق يعرف بعضهم بعضًا، والعلاقات الإنسانية كانت أقوى من الحسابات المادية التي طغت على كثير من تفاصيل الحياة المعاصرة.
ومع أن الزمن تغير وتبدلت أنماط المعيشة، فإن ذكريات الفزعة ما زالت حاضرة في وجدان الكثيرين بوصفها رمزًا لعصر كان فيه الإنسان أقرب إلى أخيه الإنسان، وكانت الأيدي تمتد بالعون قبل أن تطلب، وكانت المحبة تترجم أفعالًا لا أقوالًا.
فمن الشواهد التي لا تنسى والتي تكاد تكون الأبلغ حضورًا في ذاكرة القديح والقطيف، قضيتان هزتا الوجدان الإنساني قبل أن تهزا المكان، وما زالت تفاصيلهما حاضرة بما تحمله من ألم ممزوج بروح عظيمة من النخوة والتكافل.
الحدث الأول هو فاجعة حريق عرس القديح عام 1999 م، تلك الليلة التي تحولت فيها لحظة الفرح إلى مأساة أليمة إثر اشتعال النيران في خيمة زفاف، فخلفت نحو 76 وفاة ومئات الإصابات، ولكن أمام هول المصاب لم تقف القديح وحدها، بل انفتحت القلوب قبل الطرقات، وهب أبناء القطيف من كل قرية ومدينة، بل وتجاوبت معها مناطق قريبة وبعيدة في مشهد إنساني بالغ التأثير، وكانت الأيدي تمتد لإطفاء الحريق والأرواح تتسابق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فيما تدفقت قوافل المتبرعين بالدم إلى المستشفيات حتى غصت بهم، وكأن الألم الواحد قد وحد الجميع في جسد إنساني واحد لا يعرف الحدود ولا المسافات.
أما المشهد الآخر، فهو فاجعة التفجير الغاشم الذي استهدف مسجد الإمام علي
، في القديح، وهي لحظة ثقيلة على القلوب لكنها في الوقت ذاته كشفت عن معدن هذا الوطن وأهله، فقد كانت المملكة كلها هناك، وإن اختلفت المدن وتباعدت المسافات، إلا أن القلوب اجتمعت على صوت واحد بأن الألم لا يترك وحيدًا.
تدفقت المساعدات، وتسابقت الأيادي إلى التبرع بالدم، وامتلأت المستشفيات بوجوه لا تعرف إلا معنى واحدًا: أن الإنسان لأخيه الإنسان سند في الشدة قبل الرخاء، وفي تلك اللحظات تلاشت الفوارق وبقيت النخوة عنوانًا كبيرًا يليق بأبناء السعودية، وبأهل القطيف على وجه الخصوص، الذين وجدوا في محنتهم أمة كاملة تقف معهم قلبًا وقالبًا، تواسي وتداوي وتشارك الألم حتى آخره.
إن الحديث عن الفزعة في القطيف ليس حديثًا عن عادة اجتماعية اندثرت، بل هو استذكار لقيمة إنسانية عظيمة أسهمت في بناء مجتمع متماسك ومترابط، وما أحوج الأجيال اليوم إلى استلهام تلك المعاني النبيلة التي حفظت للمجتمع تماسكه وأبقت المحبة والتراحم عنوانًا من عناوين حياته.













