العيد الذي لا يتوقف
في كل عيد، نرى الصورة الجميلة للمشهد؛ العائلات المجتمعة، والزيارات، والضحكات، والموائد الممتدة، والطمأنينة التي تغلف المدن.
لكن خلف هذه الصورة الهادئة، هناك عالم آخر يعمل بصمت كي تبدو الحياة مستقرة وآمنة ومنظمة كما اعتدنا أن نراها.
هناك طبيب يبدأ مناوبته بينما أسرته تجتمع بدونه، ومسعف يتنقل بين البلاغات، ورجل أمن يقف لساعات طويلة تحت حرارة الجو والزحام، وممرضات وفنيون وصيادلة وعاملون في المختبرات، وفرق نظافة وتشغيل وصيانة، وسائقو إسعاف، ومراقبون صحيون، وموظفو خدمات، وإعلاميون، وعاملون في المطارات والمنافذ والاتصالات والكهرباء والمياه، وعشرات المهن التي لا يلاحظها الناس إلا عندما تتوقف.
بعض أجمل لحظات العيد التي نعيشها صنعها أشخاص لم يعيشوا العيد كاملًا.
المشكلة ليست في طبيعة العمل، فالجميع يدرك أن هناك قطاعات لا يمكن أن تتوقف، خصوصًا الصحة والأمن والخدمات الأساسية.
بل إن كثيرًا من العاملين في هذه القطاعات اختاروا هذه المهن عن قناعة وشغف ورسالة.
لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول مفهوم ”هذا عمله“ إلى مبرر لتجاوز الجانب الإنساني في التعامل مع الإنسان.
نعم، هذا عمله... لكنه أيضًا بشر.
يتعب، ويُرهق، ويمرض، ويشتاق لأسرته، ويظل يتأثر بالكلمة كما يتأثر بالتقدير والاحترام على حد سواء.
في السنوات الأخيرة، ومع ضغط الحياة وتسارع الإيقاع، أصبحنا نرى أحيانًا حالات غير مبررة تجاه بعض العاملين في القطاعات الخدمية، وخصوصًا القطاع الصحي.
وقد يواجه الممارس الصحي في بعض الحالات توقعات عالية بالعمل تحت ضغط مستمر، مع تحديات متعددة مرتبطة بطبيعة العمل.
وفي المقابل، يغيب أحيانًا إدراك حجم الضغط الإنساني والتشغيلي الذي تعيشه هذه القطاعات، خصوصًا في المواسم والأعياد.
فالذي يعمل في الميدان لا يتعامل مع حالات مثالية، بل مع ازدحام وضغط وقت ونقص كوادر أحيانًا، وحالات طارئة، ومواقف إنسانية ونفسية معقدة، ومع ذلك يُطلب منه أن يحافظ على هدوئه واحترافيته في كل لحظة.
وهذا هو الاحتراف الحقيقي فعلًا، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الاحترام الإنساني.
الحقيقة التي يجب أن ندركها أن جودة الخدمة لا تنفصل عن إنسانية بيئة العمل.
المنظومات الناجحة عالميًا لم تصل إلى كفاءتها فقط عبر الأنظمة والتقنيات، بل عبر فهم عميق لقيمة الإنسان الذي يقف في الميدان.
فالاحتراف لا يعني إلغاء المشاعر، والانضباط لا يعني القبول بالضغوط، والوظيفة لا تلغي الإنسانية.
وربما من أجمل ما يمكن أن نتعلمه في مواسم الأعياد أن الامتنان ليس مجرد كلمات عابرة، بل ثقافة مجتمع ووعي أخلاقي.
أن نقول ”شكرًا“ لمن يعمل وقت راحتنا، وأن نتعامل باحترام مع من يقف لخدمتنا تحت الضغط، ليس ترفًا اجتماعيًا، بل انعكاس حقيقي لنضج المجتمع وإنسانيته.
قد ينسى الناس تفاصيل كثيرة من أيام العيد، لكن تبقى طريقة التعامل معهم من أكثر التفاصيل التي تبقى في الذاكرة.













