آخر تحديث: 28 / 5 / 2026م - 6:14 م

ما بين العطف والتعاطف

محمد يوسف آل مال الله *

كثيرٌ من الناس يظنون أنّ العطف والتعاطف شيءٌ واحد، فيستخدمون المصطلحين بالطريقة نفسها، بينما في الحقيقة هناك فرق عميق بينهما، والخلط بينهما قد يجعل الإنسان يقدّم ردود فعل غير مناسبة للمواقف أو للأشخاص الذين يمرون بالأزمات والمشكلات. وهنا يأتي دور الوعي؛ ليصحح هذا المفهوم ويحوّل الإنسان من مجرد ”متأثر بمشكلة الآخرين“ إلى شخص قادر على دعمهم بطريقة ناضجة وفعّالة.

العطف غالبًا يرتبط بالشعور بالشفقة تجاه الطرف الآخر، وقد يكون من الأعلى إلى الأدنى، كأن يشعر الإنسان أنّ الشخص المقابل ضعيف أو عاجز فيحتاج إلى مواساة أو حماية. أمّا التعاطف فهو أعمق وأكثر إنسانية؛ لأنّه يقوم على فهم مشاعر الآخر والدخول إلى عالمه النفسي دون إصدار أحكام، مع الحفاظ على احترام قدرته وكرامته. فالعطف قد يخفف الألم مؤقتًا، لكن التعاطف الحقيقي يمنح الإنسان شعورًا بالأمان والفهم والاحتواء.

ومن هنا تؤكد مدارس الكوتشينج العالمية الحديثة، خصوصًا في منهجيات التواصل الواعي والذكاء العاطفي، أنّ التعاطف يُعَد من أهم المهارات القيادية والإنسانية. فالكوتش المحترف لا يتعامل مع المستفيد بعين الشفقة، بل بعين الفهم والتمكين. لذلك نلاحظ أنّ معايير مثل تلك التي يعتمدها International Coaching Federation (الاتحاد الدولي للكوتشينج) تركّز على ”الحضور الواعي“ و”الاستماع العميق“ و”فهم مشاعر العميل دون التورط العاطفي الكامل معه“.

فالإنسان الواعي يدرك أنّ الشخص الذي أمامه لا يحتاج دائمًا إلى مَنْ يبكي معه، بل يحتاج أحيانًا إلى مَنْ يفهمه، ينصت له، ويساعده على رؤية الحلول بنفسه. وهنا يظهر الفرق الجوهري:

• العطف يقول: ”أنا حزين لأجلك.“
• أما التعاطف فيقول: ”أفهم ما تشعر به، وأنا حاضر معك.“

الوعي أيضًا يساعد الإنسان على معرفة ”متى“ يستخدم كل أسلوب. فهناك مواقف إنسانية مؤلمة تحتاج إلى عطف يخفف قسوة اللحظة، كفقدان عزيز أو التعرض لصدمة، بينما توجد مواقف أخرى يكون الإفراط في العطف فيها سببًا في إضعاف الشخص وجعله متعلقًا بدور الضحية، وهنا يصبح التعاطف الواعي هو الخيار الأفضل؛ لأنّه يدعم الإنسان دون أن يسلبه قوته.

وفي عالم الكوتشينج، يُنظر إلى التعاطف بوصفه مهارة تُبنى من خلال عدة ممارسات، منها:

• الإنصات دون مقاطعة.
• عدم التسرّع في تقديم الحلول.
• طرح أسئلة تساعد الشخص على التعبير عن مشاعره.
• الفصل بين فهم المشاعر وبين تبني المشكلة شخصيًا.
• احترام اختلاف التجارب الإنسانية.

فالوعي الحقيقي لا يجعل الإنسان غارقًا في مشاعر الآخرين، ولا قاسيًا تجاههم، بل يجعله متزنًا؛ يشعر، ويفهم، ويساند بطريقة صحية. وهذا النوع من الوعي هو ما تحتاجه العلاقات الأسرية، والقيادات الإدارية، وحتى العلاقات المهنية والتربوية؛ لأنّ الإنسان حين يفهم الفرق بين العطف والتعاطف يصبح أكثر قدرة على بناء أثر إيجابي عميق في حياة الآخرين.