آخر تحديث: 28 / 5 / 2026م - 6:14 م

الحوار مع الموظفين… ليس ترفًا إداريًا بل استثمار اقتصادي

أحمد مكي الجصاص *

في كثير من بيئات العمل لا يزال بعض المدراء ينظرون إلى الحوار مع الموظفين باعتباره ”ترفًا إداريًا“ أو نشاطًا ثانويًا يمكن تأجيله أمام ضغط الأرقام والإنتاج والمواعيد، لكن الواقع الاقتصادي الحديث يقول العكس تمامًا، فالحوار الداخلي لم يعد قضية معنوية فقط، بل أصبح أحد أهم أدوات رفع الإنتاجية وتقليل الخسائر وتحسين استدامة الشركات.

التقارير الدولية اليوم تربط بشكل مباشر بين جودة التواصل داخل المؤسسات وبين الأداء المالي، فبحسب تقارير شركة Gallup, فإن الموظفين المنخرطين فعليًا في بيئة العمل يحققون إنتاجية أعلى بنسبة تصل إلى 18%، فيما تنخفض معدلات الغياب الوظيفي بشكل ملحوظ داخل الشركات التي تمتلك ثقافة تواصل قوية مع موظفيها، والأهم أن الشركات ذات التفاعل المرتفع تحقق ربحية أعلى مقارنة بغيرها.

المشكلة أن بعض الإدارات لا تتحدث مع موظفيها إلا عند وقوع أزمة، أو عند تقييم الأداء السنوي، أو عند تقديم إنذار وظيفي، وهنا يتحول العمل إلى علاقة باردة قائمة على الأوامر فقط، لا على الفهم والثقة، ومع الوقت تبدأ آثار ذلك بالظهور: انخفاض الولاء، ارتفاع الاستقالات، تراجع المبادرات، وزيادة ما يُعرف عالميًا بـ ”الاستقالة الصامتة“، حيث يحضر الموظف بجسده فقط بينما يغيب حماسه الحقيقي.

اقتصاديًا، تجاهل الحوار مكلف جدًا، تقرير صادر عن Society for Human Resource Management (SHRM)

أشار إلى أن تكلفة استبدال الموظف الواحد قد تصل إلى ما بين 50% إلى 200% من راتبه السنوي، بحسب طبيعة الوظيفة والخبرة المطلوبة، وهذا يعني أن خسارة الكفاءات بسبب بيئة عمل صامتة ليست مجرد مشكلة إدارية، بل نزيف مالي مستمر.

وفي المقابل فإن المؤسسات التي تستمع لموظفيها مبكرًا تستطيع اكتشاف المشكلات قبل تحولها إلى أزمات مكلفة، أحيانًا فكرة تطوير بسيطة من موظف ميداني قد توفر على الشركة ملايين، وأحيانًا جلسة حوار قصيرة تمنع استقالة موهبة يصعب تعويضها، لهذا أصبحت كبرى الشركات العالمية تخصص منصات داخلية واستبيانات دورية واجتماعات مفتوحة لتعزيز ثقافة ”الصوت المسموع“.

السعودية اليوم تعيش تحولًا اقتصاديًا ضخمًا ضمن مستهدفات ”رؤية المملكة 2030“، وهذا التحول لا يعتمد فقط على المشاريع والاستثمارات، بل أيضًا على بناء بيئات عمل صحية وجاذبة للكفاءات الوطنية، ومع التوسع في القطاعات التقنية والصناعية والسياحية، أصبحت المنافسة على المواهب أكثر شراسة، ولم يعد الراتب وحده كافيًا للاحتفاظ بالموظف المتميز، الموظف يريد أن يشعر بأنه مسموع، وأن رأيه له قيمة، وأنه جزء من القرار لا مجرد منفذ له.

الحوار الحقيقي داخل الشركات لا يعني الاجتماعات الطويلة أو الخطابات المثالية، بل يعني وجود ثقافة تسمح للموظف بالتعبير دون خوف، وللإدارة بالاستماع دون حساسية، فالشركات الناجحة لا تبني قوتها فقط عبر رأس المال المالي، بل أيضًا عبر رأس المال البشري.

يمكن القول إن الحوار مع الموظفين لم يعد رفاهية تنظيمية كما كان يُنظر إليه سابقًا، بل أصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية غير المرئية داخل أي مؤسسة، لأن الموظف حين يشعر أن صوته مسموع… فإنه غالبًا يمنح الشركة أكثر مما هو مكتوب في عقده.

مستشار الموارد البشرية