بعد أم علي.. بأيَّةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ
عِيدٌ بِأَيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يَا عِيدُ
بِمَا مَضَى أَمْ بِأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ
أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالْبَيْدَاءُ دُونَهُمُ
فَلَيْتَ دُونَكَ بِيْدًا دُونَهَا بِيْدُ
عيدُ أضحى هذا العام فيه تجديدٌ بيني وبين الحبيبة، بيدَ أنَّ الحبيبةَ هجرتِ الدورَ، صاحبةُ القلب الكبير «شريكة حياتي» سكنتِ القبرَ، فلا يُسمع لها ترتيلُ قرآنٍ في البيتِ ولا ترديدُ دعاءٍ. ”ليتني كنتُ دونها تحت التراب وبقيتِ هي للأولادِ والأحفادِ والأحبابِ جامعةً لشملهم ككلِّ عيدٍ“.
في عيدِ فطرٍ مضى اجتمع حولها اثنان وأربعون بين كبيرٍ وصغيرٍ، وزوجاتِ أبناءٍ وأزواجَ بناتٍ، هم جميعًا عائلتها؛ يضجُّ البيت بهم بين ضاحكٍ ومازحٍ ومحادثٍ، وهي بينهم كالفراشة تتنقل بين الزهور، تلاعب هذا وتهدد ذاك بسحب عيديته مزاحًا إن لم يهدأْ ويتركِ التخريب، وقد سُلِّمتْ إليها الهدايا بيدها.
أما ظهرَ يوم هذا العيد، المصادف لليوم الثالث لوفاتها، فقد اجتمعوا لا لمعايدتها كالعادة في بيتها لأنه أصبح غارقًا في ظلامٍ، بل للعزاء عند قبرها، وكأنّهم جاؤوا يباركون المنزل الجديد ببكاءٍ وعويلٍ حتى ارتفع منهم النحيبُ. وهداياها سُلِّمتْ للسماء من جوار الحرم المكي، ومنى، وعرفات، ومن المدينة المنورة، وكربلاء، والنجف الأشرف، والجوادين، والعسكريين، ومن محافظة القطيف خصوصًا من بلدها القديح.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
فجر يوم الأحد، السابع من ذي الحجة لعام 1447 هـ، نُعيتْ إليَّ تلك المرأة الصالحة، زوجتي ﴿أم علي﴾ باتصالٍ تلقيتُه من ابنِها الأكبر ”علي“، ساعتها حمدتُ الله وله الثناء على البلاء مسلِّمًا بقضائِه، وسألتُه تعالى أن يوفِّيَني وأولادَها وأمَّها وأرحامَها ومحبيها أجر الصابرين المحتسبين. وهنيئًا لها برحيلها المفاجئ غيرِ المحسوب مع تفويج الحجيج إلى منى وعرفات، ومسيرِ ركب سيد الشهداء إلى كربلاء ”المكان الذي كانت تهواهُ“ حيث مصرعُه
.
المرحومة مدرسةٌ، تمثلت مخرجاتها في:
• أولًا: المعاملة الزوجية: عاشرتُها خمسين سنةً وخمسة أشهرٍ، ما رأتْ عيني ما يشين منها، وما سمعتْ أذني ما يعيبها؛ تقدِّس الحياة الزوجية، ما رفعتْ صوتًا في وجهي، وما كلفتني ما لا أطيق، مخلصةٌ أمينةٌ، خدَمتني إحسانًا لا وجوبًا، تسرُّني إن نظرتُ إليها، وتحفظني إن غبتُ عنها، ويريحني منطقُها.
• ثانيًا: في الأخلاق: لا غيبةَ ولا نميمةَ ولا تخبيبَ؛ تعطي الجيرانَ حقوقهم وتحترمهم، وهي واصلةٌ للأرحام، خدومةٌ للعائلة، ربَّت ثمانيةً من الأولاد والبنات، منهم المستشار القانوني، والمهندس، والطبيبة، ورجل الأعمال.
• ثالثًا: التزامها الديني: شديدة الخوف من الله، محافظة على واجباتها الدينية بما شُرِعَ من أحكام مع بعض المستحبات، نقية الذمة لم تُطالَبْ لأحدٍ بحقوقٍ ماليةٍ أو معنوية، تشتاق لبيت الله الحرام وزيارة الرسول الأكرم وآله في المدينة المنورة ومقامات الأئمة
في العراق وغيرها، وتشارك وتخدم في مناسباتهم.
• رابعًا: العلاقات الاجتماعية: مع تعدد صديقاتها اللاتي يعددنَها أختًا، إلا أنَّها تصلُهنَّ جميعًا في الأفراح والأتراح وفي غيرها وإن بَعُدْنَ عنها.
• خامسًا: المحافظة على النعمة: تقدِّر قيمة النعمة وتحافظ عليها، لا تتلف ما يُستفاد منه وإنْ قلَّ. بيتها، على كثرة عائلتها وزواره، نظيفٌ ومرتبٌ بجهدها الذاتي دون مساعدة خادمة، تفوح منه دومًا الرائحة الطيبة.
فقدُها خسارةٌ لا تعوَّض، أتمنى من نساء قومها أن يقتدينَ بها، وأن يتخذنَ محاسن صفاتها أنموذجًا للتعامل العام والخاص… رحمها الله وأسكنها جنانه مع الآل
، وربط على قلوب فاقديها بالصبر والسلوان، وأخلف عليهم بالخلف الصالح، إنَّه سميعٌ مجيبٌ.













