حين انحنى الكبرياء
كانَ يُحدِّقُ فيه من بعيد… جالسًا على كرسيِّ الصلاة، كأنَّهُ بقايا رجلٍ أنهكَتهُ الحياةُ حتى آخرِ قطرةٍ من الكبرياء.
تسلّل السؤالُ إلى داخله بذهول: أيعقلُ أن يكونَ هو؟!
الحاجُّ عبدالله… ذلك الرجلُ الذي عرفه الناسُ بقوَّتهِ وحدَّةِ صوته، الرجلُ الذي كان إذا تحدَّثَ مع أحدٍ شعرَ أنَّ الكلماتِ تتساقطُ منه مُحمَّلةً بالتعالي والتكبُّر، والذي كان حضورهُ يملأ المكانَ صرامةً وهيبةً لا تخلو من قسوة.
أيعقلُ أن يكونَ هذا الجسدُ المنهكُ هو نفسه؟
كان الناسُ بعد صلاة العيد يرفعون أكفَّهم بالدعاء، وتتَعالى الهمساتُ الخاشعة:
— اللهم تقبّل…
— عيدكم مبارك…
— جعلكم الله من العائدين الفائزين…
أمّا الحاج عبدالله… فبقي جالسًا وحده، منكسرَ الملامح، لا يقوى حتى على رفع يديه.
ظلَّ محمدٌ يتأمّل وجهه بصمتٍ ثقيل… أيُّ تغيّرٍ هذا؟
شحوبٌ يكسو ملامحه، واصفرارٌ يسرقُ لون الحياة من وجهه، وعينان غائرتان كأنّهما تحملان تعبَ سنواتٍ طويلة، ولحيةٌ خفيفةُ الشعر تناثرت فيها خيوطُ الوهن، وجسدٌ هزيلٌ يرتجفُ بصمت، كأنَّ المرضَ لم يترك فيه موضعًا إلا ومرَّ عليه بألمه.
انتهى الدعاء… وتصافح المصلّون، وتعانقت الأصواتُ بالتهاني.
تقدّم محمدٌ نحوه ببطء… متردّدًا.
أيُسلِّم عليه؟ أيُعيد فتح أبوابِ ذاكرةٍ قديمة؟
وقف مكانه قليلًا ينتظر… لعلَّ الحاج عبدالله ينهضُ على قدميه. لكن لا حركة… بقي جالسًا كأنَّ التعبَ قيّده إلى الأرض.
اقترب محمد، ومدَّ يده قائلًا بلطف:
— السلام عليكم يا حاج.
رفع الحاج عبدالله رأسه ببطء، ونظر إليه نظرةً باهتة، ثم خفّض عينيه إلى الأرض.
قال محمد بصوتٍ يخالطه الحنين:
— ألا تتذكّرني؟
تنهد الحاج عبدالله تنهيدةً ثقيلة، وقال بانكسار:
— اعذرني يا أخي… لم أعد أذكر كثيرًا من الأشياء.
ساد الصمتُ بينهما لحظات… صمتٌ يشبهُ المسافاتِ الطويلة التي تصنعها السنين.
قال محمد:
— أنا محمد… كنتُ أعمل معك في المؤسسة.
ثم أردف بصوتٍ أكثر خفوتًا:
— كنتُ محاسبَ الشركة… وكنتَ أنت…
توقّفت الكلماتُ في حلقه، فالصورةُ القديمة للحاج عبدالله كانت أكبر من أن تُقال، والصورةُ الجديدة كانت أقسى من أن تُحتمل.
في تلك اللحظة… اقترب شابٌّ يدفع كرسيًّا متحرّكًا، وقال بحنانٍ موجوع:
— هيا يا والدي… الكرسي جاهز.
وبصعوبةٍ شديدة، بدأ الحاج عبدالله يتحرّك، كأنَّ جسده يحمل فوقه أعوامًا من التعب والخذلان.
ساعده الشاب حتى جلس على الكرسي المتحرّك، ثم التفت إلى محمد وقال بصوتٍ خافت:
— الوالد يُصارع المرضَ منذ سنوات… وقد أنهكه كثيرًا.
علينا أن نذهب… سامحنا.
تحرّك الكرسي ببطء نحو باب المسجد… وكان محمد ينظر إليه في ذهولٍ صامت.
ذلك الرجلُ الذي كان يظنُّ أنَّ القوّةَ لا تزول، وأنَّ الدنيا ستبقى خاضعةً لسطوته، خرج اليوم من المسجد محمولًا على كرسيٍّ صغير، تدفعه يدُ ابنه بعدما كانت الأبوابُ تُفتح له هيبةً وخوفًا.
ظلَّ محمد واقفًا مكانه… والفكرةُ تعصفُ بروحه:
أهكذا تتبدّل الأحوال؟
أهكذا يأخذُ الزمنُ من الإنسان كلَّ ما كان يظنّه ثابتًا؟
من القوّة… إلى الضعف.
ومن التعالي… إلى الانكسار.
ومن المشي بثقةٍ بين الناس… إلى انتظارِ من يدفع الكرسي.
تنهد طويلًا وهو يهمس في داخله:
سبحان من يُغيّر ولا يتغيّر…













