نظرة وعِبرة للكعبة المشرفة
اشتدّ شوقي إلى الحج والعمرة مع اقتراب موسم الحج، وهنا بدأ البحث عن مجموعة من حملات الحج، وتقرّر الالتحاق بإحداها. فوجدنا تنافسًا في الأسعار والخدمات، والتي ربما تكون أحيانًا خارج نطاق الواقع أو التصور، لذلك علينا ألّا نرفع سقف التوقعات، وألّا نظن أننا سنحصل على كل ما كُتب في الإعلان وكأنه وحيٌ مُنزَل يُتلى. فهناك ارتفاع في الأسعار مقابل الخدمات المقدمة.
@@دعاء: اللهم من تعبّأ وتهيّأ
اللَّهُمَّ مَنْ تَعَبَّأَ وَتَهَيَّأَ وَأَعَدَّ وَاسْتَعَدَّ لِوِفَادَةٍ إِلَى مَخْلُوقٍ رَجَاءَ رِفْدِهِ وَطَلَبَ نَائِلِهِ وَجَائِزَتِهِ، فَإِلَيْكَ يَا رَبِّ تَعْبِئَتِي وَاسْتِعْدَادِي رَجَاءَ عَفْوِكَ وَطَلَبَ نَائِلِكَ وَجَائِزَتِكَ، فَلَا تُخَيِّبْ دُعَائِي يَا مَنْ لَا يَخِيبُ عَلَيْهِ سَائِلٌ وَلَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ...
وبدأت الرحلة بالطيران إلى المدينة المنورة، والوصول إلى المسجد النبوي للسلام وزيارة النبي وأهل بيته
، وكذلك زيارة المساجد الأخرى، مثل أول مسجد بُني في الإسلام، وهو مسجد قباء. وقد رُوي عن النبي ﷺ قوله:
«من تطهّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلّى فيه ركعتين، كان كعمرة».
وكذلك زيارة مقبرة البقيع الغرقد، وما تضمّه من الأولياء الصالحين من أئمة أهل البيت
. كما توجد في المدينة المنورة مواقع تاريخية شهدت حروبًا ومعارك، مثل معركة أُحد وشهادة سيدنا الحمزة
، وغيرها من المواقع المباركة.
وبعد الاستراحة في المدينة المنورة بين التعليم والعبادة، يبدأ التجهيز للذهاب إلى مكة المكرمة، والإحرام من مسجد الشجرة، ولبس الإحرام، والابتعاد عن محظورات الإحرام.
وفي كل مرة نصل فيها إلى المسجد الحرام، ويقع نظرنا على الكعبة المشرفة، يبدأ القلب بالخفقان، وتنهمر الدموع بين الفرح والخشوع. فعندما نشاهد الكعبة المشرفة، ذلك البناء المهيب ذو الكسوة السوداء التي تعكس جمالًا مهيبًا، نشعر بقوة جذب روحية عظيمة، وكأنها تفتح ذراعيها وتقول: تفضّل لتحظى برحمة الله الواسعة.
ويُردد الداخل إلى المسجد الحرام: «إني أومن بوعدك وأوفي بعهدك».
ثم يبدأ الطواف بعكس اتجاه عقارب الساعة، ويكون الجسد مقابل الكعبة، والقلب متجهًا إليها، وكل نبضة كأنها توحّد الله عز وجل.
وتبقى العيون شاخصة نحو الحجر الأسود، متمنية الوصول إليه أو لمسه أو تقبيله، فهو شرف عظيم لمن وفّقه الله لذلك. ويقال عنده: «اللهم أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة...».
@@المعالم اللصيقة بالكعبة:
الحجر الأسود - الملتزم - باب الكعبة - حجر إسماعيل - الميزاب - الركن اليماني - الشاذروان.
وكم تمنيت أن يُفتح لي باب الكعبة لأدخل إلى جوفها، فأكون في رحابها كأنني في حضن أمّي، وأخرج منها كما ولدتني أمي، وكأنها إعادة ضبط للنفس والروح.
@@المعالم المنفصلة:
مقام إبراهيم: وهو حجر رخو من نوع حجر الماء، لونه بين البياض والسواد والصفرة، وكان يقف عليه نبي الله إبراهيم
حين ارتفع بناء الكعبة عن مستوى قامته. وفيه أثر قدمي النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام عند بناء الكعبة، وكيف غُرست أقدامهما في الحجارة الصمّاء، وارتفع نداء الحج إلى العالم.
تبدأ قصة الحج بامتثال سيدنا إبراهيم
لأمر ربه بالتوجه إلى وادٍ غير ذي زرع، وترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل هناك، ثم عاد بعد سنوات ليرفع قواعد البيت الحرام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].
وقال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
@@بئر زمزم:
يرجع تاريخ نشأتها إلى قدوم إبراهيم
من الشام إلى مكة المكرمة، حين ترك زوجته هاجر وابنهما إسماعيل وهو رضيع عند مكان البيت. فلما نفد الماء، أخذت هاجر تسعى بين الصفا والمروة بحثًا عن الماء.
فلما أتمّت سبعة أشواط، وعادت إلى طفلها إسماعيل، إذا بالماء ينبع من تحت قدميه، فجمعت الماء وهي تقول: «زم زم»، أي لا تتفرق، فسُمّي البئر بهذا الاسم.
وقد ورد في الحديث الشريف: «ماء زمزم لما شُرب له».
وهو ماء مبارك، له طعم خاص ومحبة عظيمة في قلوب الحجاج والمعتمرين، ويحمله الناس معهم هديةً ثمينة للأهل والأصدقاء.
أما الصفا والمروة، فالسعي بينهما يُجسد ما قامت به السيدة هاجر «رحمها الله» من صبر وسعي ويقين بالله تعالى.
وبعد الانتهاء من المناسك الأولى للحج، يتوجه الحجاج إلى منى، سواء للسكن فيها أو في مكة المكرمة بحسب ترتيبات الحملة، ثم يبدأ الاستعداد للوقوف بعرفة، وهو الركن الأعظم في الحج.
وفي يوم عرفة تتنزّل الرحمة والمغفرة والتوبة، ويردد الحجاج الأدعية بخشوع، ومنها دعاء الإمام الحسين
يوم عرفة: «اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك...».
وبعد المبيت وإحياء يوم عرفة، يتجه الحجاج إلى مزدلفة، ثم إلى منى لرمي الجمرات، وكأن الإنسان يرمي معه أهواءه ورغباته وشهواته، ويتعهد ألّا تذلّه شهوة أو رغبة.
ومن روائع حكم الإمام الحسن العسكري
: «ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذلّه».
فالحج ليس مجرد رحلة إيمانية وروحية، بل هو رحلة لإعادة بناء الإنسان وتهيئته لإعمار الأرض بما ينفع الأسرة والمجتمع والوطن والعالم، من علم وبحث واختراع وتأليف ودراسات نافعة تكون نورًا للأجيال القادمة.
وقد لخّص الإمام الشافعي فوائد السفر بقوله:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِي طَلَبِ العُلَى
وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ
وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِدِ
ثم تعود إلى وطنك، لكن تبقى الخواطر والصور والمواقف حاضرة في القلب، تعكس الرحمة الإنسانية، ومشهد الكعبة المشرفة، فيتجدد الشوق، وتردد دائمًا: اللهم لا تجعله آخر عهدٍ بحج بيتك الحرام، وزيارة قبر نبيك ﷺ، وارزقني العود ثم العود حتى ترضى، وبعد الرضا، وحتى تخرجني من الدنيا سالمًا وأنت عني راضٍ، وأنا لك مرضي.













