قراءة في فيلم ”سولاريس“
يحكي الفيلم الروسي ”سولاريس“ قصة عالم وطبيب نفسي، يتم استدعاؤه إلى محطة فضائية في كوكب مكتشف حديثًا يدعى ”سولاريس“، لتقييم ومساعدة الطاقم العلمي الذي ذهب لاستكشاف ودراسة الكوكب، والذي تعرض لأزمات نفسية حادة بعد استيطان لم يطل لذلك الجرم، ليفاجأ بعد وصوله بخبر وفاة أحد أفراد الطاقم، وصديق مقرب قديم له انتحارًا، يرى أشخاصًا لا يفترض وجودهم في محطة فضائية، مثل طفل صغير أو قزم غريب يتبع اثنين من العلماء هما من تبقى من الطاقم، ويقرر تجاهل تلك الرؤى على اعتبارها هلوسات متوقعة نتيجة سفره في الفضاء، حتى يفاجأ بظهور زوجته المتوفاة أمامه، والتي تتصرف وكأنها في بيتها وتتعلق به وكأن حياتها تعتمد على ذلك، يشعر بالذعر فيتخلص منها، لكنها تظهر أمامه في اليوم التالي وقد نسيت تماما أنه قام بقتلها قبل يوم واحد! يحبسها في قمرته فيجدها قد كسرت الباب الفولاذي في محاولتها اللحاق به، ثم يرى ساعديها قد جُرحا من جراء تكسير الباب، يمسح الدماء عنهما فيلاحظ أن الجروح تشفى وتلتئم في لحظات، ويضطر إلى اصطحابها معه في اجتماعه مع علماء طاقم المحطة الفضائية، ويقدمها لهم بصفتها زوجته، حيث تقبل أحدهما الأمر وقام بمصافحتها بينما نظر لها الآخر بريبة وتجاهلها.

كان لدى العالمين الآخرين نظرية محددة بشأن هؤلاء الزوار، كما أسموهم، حيث أخبراه بأنهما قاما بتسليط حزمة إشعاعية مكثفة لمحيط ذلك الكوكب، من باب سبر أغواره، وكردة فعل أرسل لهما المحيط هؤلاء الزوار من باب سبر أغوارهم بدوره، كانت تلك هي طريقته في التواصل.
بشكل ما اكتشف العلماء أن ذلك المحيط هو كائن حي واع، وأنه خلق الزوار من مادته نفسها، بعد أنه استخرجهم من ذكرياتهم ومخاوفهم وهم نيام، كان يقرأ عقولهم كلما ناموا.
ومع الوقت بدأت الزوجة تدرك أنها ليست إنسانًا حقيقيًا، أما العلماء فقد قرروا القيام بتجربة جديدة ألا وهي إرسال مخطط دماغ أحدهم في صورة حزمة إشعاعية وتسليطها على ذلك المحيط الحي، واختفى الزوار تمامًا بعد تلك التجربة.
ما حاول ”ستانسلاف ليم“، كاتب رواية الخيال العلمي تلك، قوله، إنه إن وجدت حياة عاقلة في هذا الكون الفسيح، فهي لن تكون بالضرورة شيئا شبيها بحياتنا نحن، بل ستكون على الأرجح شيئا مغايرا تماما، ولن نتمكن غالبًا من إيجاد وسيلة فعالة للتواصل معه. لقد تخيل كوكبا يعيش فيه كائن حي واحد عملاق، يغطي الكوكب بأكمله تقريبا، وهو يغطي الكوكب مثل بحر محيط، يتحكم بجزيئاته ويعيد تشكيلها، هذه الجزيئات هي بمثابة عقل ذلك الكائن وعينه ويده، وكانت هي المرآة التي عكست أعمق مخاوف وذكريات وعقد ذنوب العلماء التي قرأها في وعيهم خلال نومهم.
أما الإخراج، فعبقري بحق، ويصور الأجواء النفسية والفلسفية للرواية من خلال مشاهد طبيعية تشمل مسطحات مائية ومطر وغيوم.
المحطة الفضائية نفسها ذات طابع متواضع يشي بتعب العلماء وقلقهم، لها طابع واقعي يجعلك تصدق أنها مكان حقيقي لا يسعى لإبهارك، مع موسيقى تصويرية آسرة خلابة تسحب المشاهد ليستغرق في الأجواء المهيبة للفيلم.













