آخر تحديث: 24 / 5 / 2026م - 10:40 م

”عبقرية“ الإمام الجواد (ع)

حسين مكي المحروس

حينما يصف الناس فردًا بأنه ”عبقري“، فإنهم غالبًا يقصدون ذلك العقل الاستثنائي القادر على الإبداع في زاوية أو أكثر من زوايا الحياة؛ كعالمٍ متفوق في الرياضيات، أو فيزيائيٍ يفتح بابًا جديدًا لفهم الكون، أو أديبٍ ينسج اللغة بطريقة تدهش الألباب. فالعبقرية البشرية وإن اتسعت وتعددت تبقى حبيسة داخل مجال محدد، وقدرة ضمن إطار معين، وومضة قد تشرق في جانب بينما تظل جوانب أخرى لا تزال تقبع في الظل والظلام. ولهذا فإن التاريخ مليء بالعباقرة ممن أبدعوا في حقل بعينه، ثم ما لبثوا أن تعثروا وتاهوا بل ربما زاغوا في حقول شتى. إذن مع كون العبقرية طاقة عقلية بشرية استثنائية، إلا أنها لا تعني بلوغ درجة من الكمال، ولا تستطيع تحصين الفرد عن الخطأ، ولا ترقى لأن ترفع صاحبها فوق قوانين النقص والحاجة والعجز الإنساني المتأصل.

ومن هنا، فإننا لا نؤيد استخدام كلمة ”عبقري“ عند الحديث عن الإمام محمد الجواد «أو غيره من الأئمة الأطهار» فلعل القائل قد خانه التعبير أو ربما كان منشؤه القصور أو التقصير في إدراك مراتب الأئمة ع. تحفظنا على الكلمة بالرغم مما فيها من إعجاب وزبرجة وعصرية، سببه ما قد يتوهم منها من إنزال مقام الإمام إلى مستوى التفوق العقلي البشري وحسب. بينما الأولى عند الحديث عن الإمام المعصوم أن نتجاوز مفهوم النبوغ الذهني إلى مقامٍ أسمى مختلف في طبيعته وأصله ووظيفته ورتبته. فالإمام في الرؤية العقدية عندنا يتجاوز كونه عقلًا خارقًا وكفى، بل هو إمام اصطفاه الله وسدده وأناط به مدار العلم والهداية، وأمده بروح القدس، ليكون امتدادًا لوظيفة النبوة من حفظ الدين وترسيخ الإصلاح وقيادة زمام الأمة ونشر الوعي والرقي الإنساني.

لنلحظ جانبًا آخر من جوانب النقص في هكذا تعبير، هو أن العبقري قد يبدع في لحظة ويخطئ في مناسبات أخرى، وقد يرى جانبًا من الحقيقة بينما تغيب عنه نواحي أخرى وتحتجب عنه ماهيات الأمور وكينوناتها. ذلك لأن أدوات العبقري في الوصول إلى المعرفة قد انحصرت في طرق كالتجربة والتحليل والحدس والتراكم المعرفي. على الضفة الأخرى، ففي حالة الإمام المعصوم، فإن القضية ليست مسألة ”ذكاء أعلى“، بل هي تجلٍّ لتسديد إلهي وعصمة ولطف تجعل من الإمام دالًا على الحق ومرشدًا له وعَلَمًا عليه. ومعلومٌ أن الفارق بين العبقرية والعصمة شتان، كمن يقارن «قياس مع الفارق» بين مصباحٍ يضيء بما أودع فيه من طاقة محدودة، وبين الشمس وقد غدت تستمد نورها من قدرة الله سبحانه. المصباح قد يخبو أو ينطفئ ويعتريه الفناء والاضمحلال، إلا أن نور الهداية الجوادية لا يزال متوقدًا متلألئًا، كونه يستقي وجوده واستمراريته من نور الله عز وجل.

وحين نتأمل سيرة الإمام الجواد ، فإن ما يدهشك ليس فقط مجرد سرعة بديهته في الأجوبة أو القدرة على المناظرة في شتى أصناف العلوم وتفرعاتها وهو وقتئذ لا يزال في سن مبكرة، بل هو عين ذلك الاتزان الشامل بين العلم والعبادة والأخلاق والإدارة والقيادة والوعي الاجتماعي والسمو الروحي. قد يُذهل الناس بعقل العبقري، لكن نفس الشخص في مواقف مغايرة قد يفشل في بناء النفوس أو تهذيب المجتمع أو حمل الرسالة الأخلاقية. أما الإمام، فإن حضوره قد تجاوز حدود ”الإبهار العقلي“ إلى القدرة على التصرف في النفوس وإعادة صياغة من حوله؛ عقلًا وروحًا وسلوكًا وتهذيبًا ومنطقًا. ولهذا فإن اختزال قدسية الإمام في وصف ”العبقري“ يشبه اجتزاء البحر في موجة، أو حصر السماء في نجمة لامعة.

ولعل بعضًا مما نعانيه في عصرنا الحاضر أن الثقافة الحديثة قد صنعت من مصطلح ”العبقرية“ أيقونة للدلالة على أعلى مراتب التقدير. فالعالم المعاصر يقيس الإنسان غالبًا بمقدار إنتاجه العقلي والتقني والمعرفي. على النقيض من ذلك فإن المدرسة الإيمانية تقرر أن الكمال الحقيقي ليس مقيدًا في مدى تهويل القدرة الذهنية وحدها، بل في اجتماع العلم مع الحكمة، والعقل مع الهداية، والمعرفة مع الطهارة، وكل ذلك تجليات ومصاديق للعصمة الكبرى. إن العبقري غير المسدد من السماء قد يقود البشرية إلى أزمات ونكبات لأنه مفتقر بالطبع للبوصلة الأخلاقية والحصانة الروحية.

عودًا على ذي بدء، فإن القدر المتيقن في وصفنا لتميّز الإمام عن غيره من سائر البشر، أن مفردات اللغة نفسها كلما حاولت أن تعبر عن جانب من صفات الإمام كالعلم مثلًا، انقلبت الكلمات خاسئة وهي حسيرة مدركة بأنها أعجز من أن تستحصل القدرة على التعبير عن كنه ذلك المقام.