آخر تحديث: 24 / 5 / 2026م - 10:40 م

صونوا كبيرَكم قبل أن تضيعَ خيمتُكم

الدكتور ماهر آل سيف *

البيوتُ لا تُحفظُ بالجدران، ولا الشركاتُ تقومُ بالمكاتب، ولا الأوطانُ تُصانُ بالشعارات وحدها؛ إنما تحفظها بعد الله قيادةٌ راشدة، وكبيرٌ مُهاب، ومرجعيةٌ يُرجع إليها عند اختلاف الأصوات وتزاحم الآراء. فكل مكانٍ لا كبيرَ فيه، سرعان ما تكثر فيه الرؤوس، وإذا كثرت الرؤوس بلا رأسٍ جامع؛ تشعّبت الطرق، وتنازعت القلوب، وصار كلُّ واحدٍ يرى نفسه سفينةً مستقلة، حتى تغرق السفن كلها في بحر العناد.

وقد علّمنا القرآن أن الاجتماع رحمة، وأن التفرق وهنٌ وذهابُ قوة، فقال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ . وما أصدقها من آية؛ فالفشل لا يبدأ دائمًا من قلة المال، ولا من ضعف العدد، بل يبدأ حين تتنازع القلوب، وتغيب الكلمة الجامعة، ويصبح البيت أصواتًا لا تسمع، وأجسادًا لا تجتمع، وقراباتٍ بلا مظلة.

حين يموت الأب، لا ينبغي أن يموت معه نظام البيت. بل ينبغي للأبناء أن ينظروا إلى كبيرهم بعين الوقار، لا بعين المنافسة؛ فيجعلوه مظلةً تجمعهم، وميزانًا عند اختلافهم، ووجهًا للعائلة أمام الناس. ليس لأنه أعلمهم في كل شيء، ولا لأنه لا يخطئ، ولكن لأن البيوت تحتاج إلى عمود، والخيمة إذا سقط عمودها لم تنفعها كثرة الأوتاد. والكبير العاقل لا يستبدّ، بل يحتوي؛ لا يقهر، بل يجمع؛ لا يطلب الطاعة لشخصه، بل يحفظ بها كيان أهله.

وإذا ماتت الأم، فليس من الوفاء أن تُترك عاطفتها فراغًا باردًا في البيت. إن كانت هناك أخت كبرى، حنونٌ قلبها، راجحٌ عقلها، قريبةٌ من إخوتها، فليوقّروها؛ فهي ليست أمًا بدل الأم، ولكنها بقية دفءٍ من الأم، وصوتٌ يذكّر بالحنان، ويدٌ تمسح على الخلاف قبل أن يكبر. وكم من بيتٍ بقي متماسكًا بعد رحيل أمه؛ لأن فيه أختًا كبيرة صبرت، واحتوت، وسمعت، ولم تجعل حنانها منّة، ولا مكانتها حربًا.

قال النبي ?: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقّر كبيرنا». فتوقير الكبير ليس عادة اجتماعية فقط، بل أدبٌ ديني، وسلوكٌ حضاري، وحكمةٌ تحفظ النسيج من التمزق. وليس معنى التوقير إلغاء العقول، ولا إسكات النصيحة، ولا تحويل الكبير إلى حاكمٍ لا يُراجع؛ بل معناه أن يكون الخلاف مؤدبًا، والنصيحة رحيمة، والقرار جامعًا، والبيت أكبر من الأنا.

ومن أبلغ ما قيل في معنى القيادة والطاعة ما نُسب إلى الإمام علي : «لا رأيَ لمن لا يُطاع»؛ لأن الرأي مهما كان راجحًا إذا لم يجد قلوبًا تحترمه، وألسنةً تكفّ عن كسره، وأيديًا تعينه على تنفيذه؛ بقي كلامًا جميلًا فوق ورق، لا يبني بيتًا، ولا يصلح شأنًا.

وهذا لا يخص العائلة وحدها؛ فالشركة التي يغيب عنها القائد تتحول أقسامها إلى جزر متباعدة، كل إدارةٍ تشدّ الثوب إلى جهتها، وكل موظفٍ يقول: نفسي نفسي. فإذا غابت القيادة، حضرت الفوضى بلباس الاجتهاد، ودخلت المصالح الصغيرة من أبوابٍ كثيرة، حتى تصبح الشركة كما يقول العامة: ”كلٌّ يده له“، لا نظام يجمع، ولا رؤية تقود، ولا قرار يحسم.

وكذلك البلدان؛ لا تقوم بالعواطف وحدها، ولا تسير بالمزاج المتغير، بل تحتاج إلى قيادة تحفظ البيعة، وتضبط الاتجاه، وتمنع فراغ السلطة؛ لأن الفراغ في الأوطان ليس مساحةً ساكنة، بل بابٌ للفتن. ولذلك كانت البيعة في بلادنا انتقالًا يحفظ الاستقرار، ويصون الدولة، ويجعل الخلف خيرَ خلفٍ لخير سلف، فلا تضيع الرؤية، ولا يرتبك الناس، ولا تصبح البلاد ميدانًا لصراع الطامعين.

ما أجمل قول الشاعر:

تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسّرًا
وإذا افترقنَ تكسّرت آحادا

فالبيت رمحٌ واحد حين يجتمع، وأعوادٌ ضعيفة حين يتفرق. والعائلة التي تصون كبيرها تصون اسمها، وتحفظ هيبتها، وتُشعر الناس أن لها مرجعًا ووجهًا وقرارًا. أما إذا رأى المجتمع أن العائلة بلا كبير، وأن صغارها ينازعون كبارها، وأن كل مجلسٍ فيها يلد خصومة؛ قلّت هيبتها، وضعف حضورها، وتجرأ عليها من كان يهاب وحدتها.

صونوا كبيركم؛ لا تجعلوه وحيدًا في مواجهة النزاع، ولا تكسروا خاطره بكثرة الاعتراض، ولا تطلبوا منه أن يحمل الهم ثم تسحبوا منه الاحترام. قوّموه إن أخطأ، وانصحوه إن غفل، وعاونوه إن ثقل عليه الحمل؛ لكن لا تهدموا العمود ثم تسألون: لماذا سقط السقف؟

الكبير نعمةٌ إذا عدل، ورحمةٌ إذا احتوى، وهيبةٌ إذا اتقى الله فيمن حوله. ومن لم يحفظ كبيره في البيت، لن يحفظ صغيره من الضياع. ومن فتح باب الصراع على القيادة، أغلق باب السكينة على الجميع.

فاللهم اجعل في بيوتنا كبارًا حكماء، وفي قلوبنا لهم توقيرًا، وفي خلافاتنا أدبًا، وفي اجتماعنا بركة؛ ولا تجعلنا ممن كسروا مظلتهم بأيديهم، ثم بكوا تحت المطر.