لجان المراجعة في الشركات المُدرجة: ضربتان في الراس توجع
أيامٌ معدودة هي الفارق بين إدانات لأعضاء مجلس إدارة ولجنة مراجعة في شركتين مدرجتين في السوق السعودية. لن أتحدث عن التفاصيل، بل عن نقطة محددة ينبغي أن تُفحص وتُمَحَص على أساسها عضوية لجان المراجعة كافة في الشركات المدرجة دونما استثناء، التي تحت ولاية السوق المالية.
وهذه النقطة تحديداً هي الالتزام التزاماً حذافيرياً بمعايير الاستقلالية لأعضاء لجان المراجعة المنبثقة عن مجالس إدارة الشركات المدرجة، ولاسيما - وضع ما يحلو لك من خطوط تحت كلمة ”لاسيما“ - الشركات التي ولدت من رحم الشركات العائلية، وسأبين لماذا في الفقرات التالية، فالاستقلالية التامة للجنة المراجعة في الشركة المساهمة المدرجة تشكل إحدى الركائز الأساسية التي تضمن فعالية اللجنة وقدرتها على أداء دورها بموضوعية وحيادية تامة، ثم أن الامر يتجاوز الشركة بأن قيام لجان المراجعة في الشركات المدرجة بواجبها على أتم وجه هو أحد العوامل المؤثرة في تعزيز الثقة في السوق المالية ورفع سمعتها محلياً واقليمياً وعالمياً.
للنظر إلى أفضل الممارسات - وليس التنظيرات بل الممارسات أي ما يجري عليه العمل، فوفق أفضل الممارسات الدولية المعتمدة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD»، يجب أن يكون أعضاء اللجنة مستقلين تماماً عن الإدارة التنفيذية، بحيث لا يكون أي منهم: موظفاً تنفيذياً في الشركة أو في شركاتها التابعة، وألا يكون قد شغل أي وظيفة تنفيذية لديها خلال السنوات الثلاث السابقة على الأقل، كما يُشترط عدم وجود أي علاقات مالية أو تجارية جوهرية «Material» مع الشركة أو إدارتها، مثل تلقي أي تعويضات إضافية بخلاف أتعاب العضوية في مجلس الإدارة ولجنة المراجعة.
ليس هذا فحسب، وهنا تأتي نقطة الصلات العائلية، إذ يمتد مفهوم الاستقلالية ليشمل عدم وجود علاقات عائلية قريبة «كالزوج أو الزوجة أو الأولاد أو الوالدين أو الإخوة» مع أي من المديرين التنفيذيين أو كبار الموظفين أو المراجع الخارجي. بالإضافة إلى ذلك، يتعين أن يكون الأعضاء مستقلين تماماً عن المراجع الخارجي، وذلك بعدم وجود أي علاقة سابقة أو حالية مع مكتب المراجعة كشريك أو موظف خلال السنوات الثلاث الماضية، وعدم وجود أي مصلحة مالية مباشرة أو غير مباشرة فيه. أما الاستقلالية العامة فتقتضي عدم انتماء العضو إلى أي جهة تمارس سيطرة جوهرية على الشركة، وعدم وجود أي تعارض مصالح شخصي أو مهني قد يؤثر على قدرته على الحكم الموضوعي. وهنا، وحتى نصبح عمليين، على هيئة السوق المالية أن تطبق هذه المعايير على اللجان القائمة حالياً، وتقصي الاستقلالية العميقة لتجنب أي شبهة وإلا وقع المحذور.
وكما هو ملاحظ ومشاهد، فعواقب عدم استقلالية لجنة المراجعة جسيمة ومتعددة الأبعاد. إذ يؤدي غياب الاستقلالية إلى ضعف الإشراف على التقرير المالي، مما يرفع بشكل ملحوظ مخاطر الأخطاء المادية أو الاحتيال، وقد يترتب عليه فقدان ثقة المستثمرين والسوق، وهنا يكمن المحذور الكبير، فالحفاظ على سمعة السوق وتحصينه من أية شبهة ضعف الالتزام ينعكس سلباً على اقبال المستثمرين داخلياً وخارجياً وبما في ذلك تردد المستثمرين المؤسسين وبالتالي انحسار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر «FDI» أو الاستثمار الأجنبي في المحافظ الاستثمارية «FPI».
ردع هذه المخاطر يستوجب اتخاذ إجراءين: 1. وقائي: وهو التفحص الدائم لهيكلة لجان المراجعة وأهلية أعضائها، وفق أفضل الممارسات، كما سبقت الإشارة. 2. علاجي: وهو فرض الجهات الرقابية عقوبات مالية رادعة على الشركة وعلى الأعضاء أنفسهم، لتصل في الحالات المتكررة أو الجسيمة إلى شطب أسهم الشركة من التداول في السوق المالية.
ومن الناحية القانونية، يتعرض الأعضاء غير المستقلين لدعاوى قضائية شخصية بتهمة الإخلال بالواجب الائتماني «Fiduciary Duty»، فضلاً عن الإضرار بالسمعة التجارية للشركة، مما يؤثر سلباً على قيمة أسهمها وبالتالي على المساهمين، وعلى علاقاتها مع المؤسسات التمويلية والجهات المتعاملة معها.
من واقع خبرة تزيد على ثلاثين عاماً في لجان المراجعة، ووفقاً لمعايير الحوكمة المؤسسية، فيجب على لجنة الترشيحات أو مجلس الإدارة إجراء تقييم سنوي صارم لاستقلالية كل عضو. إذ يُفضل أن تتكون الأغلبية الساحقة من أعضاء اللجنة من المستقلين تماماً «Majority Independent»، وأن يكون رئيس اللجنة مستقلاً بشكل كامل. وفي حال وقوع أي خرق لهذه المعايير، يجب الإفصاح عنه بوضوح في تقرير الحوكمة السنوي للحفاظ على مصداقية الشركة وثقة السوق.













