آخر تحديث: 24 / 5 / 2026م - 11:00 م

التبولة وشغف العمل

المهندس أمير الصالح *

مطعم ”باب اليمن“ بالقاهرة، على امتداد شارع التحرير بالقرب من دوار ميدان الجلاء على ضفاف نهر النيل الشهير، هو مطعم حديث وجديد وواسع، وله إطلالة مباشرة على نهر النيل، ويقع بالقرب من فندق الشيراتون الشهير، وليس بعيدًا عن مجموعة فنادق خمسة نجوم في قلب العاصمة المصرية، وقريب من ميدان التحرير الشهير. شخصيًا أحب بعض أطباق المطبخ اليمني، وما شد انتباهي هو جودة طعم أصناف المطبخ اليمني في إعداد أطباق اللحوم حيثما حل وارتحل. فلقد صادفت مطعم ”القرية اليمنية“ في مدينة كالغاري في كندا، ومطعم ”حنيذ“ في مدينة مونتريال الكندية، ومطعم ”ريف اليمن والمطعم اليمني“ بمدينة لاهاي الهولندية، وعدة مطاعم يمنية أخرى في بقاع أخرى من العالم شرقًا وغربًا. ولعل من زار مدينة غوانزو الصينية شاهد حجم المعروض من المطاعم اليمنية. وللعلم، أضحت بعض شوارع برلين وفرانكفورت وبروكسل ولندن وإسطنبول وأديس أبابا ومونبلييه ومرسيليا مكتظة بالمطاعم العربية، ومنها اللبناني والمغربي واليمني والسوري. لك أن تتخيل لو أن شركة متخصصة في توريد اللحوم والدجاج، ومُزكّاة من لجان شرعية بالنجف الأشرف والأزهر الشريف ومكة المكرمة، تشهد بحلية تذكية اللحوم، ولك أن تتخيل لو تم إنشاء فروع متعددة لمسالخ اللحوم الحيوانية الموردة لتلكم المطاعم في مواقع جغرافية متعددة تغطي القارات الست، فكم عدد الوظائف التي سيتم إحرازها وخلقها.

الملفت أن المطبخ اليمني بالعادة يتضمن أطباقًا مثل لحم مندي ولحم حنيذ ولحم لباني ولحم مقلقل ولحم مخمود ومظبي ومكموت وزربيان، وذات الأسماء لأطباق الدجاج، وأصناف القلابات المختلفة مثل فحسة رضيع وسلتة ودقة وعقدة وصالونة ولحسة وفول حرضة/ فول بالدقة، إلى جانب المخابزة مثل معصوب وملوح. وهذه الأطباق تجذب الزبائن الخليجيين، وبالخصوص السعوديين، وليس المصريين أو الصينيين أو الأوروبيين أو الأميركيين أو الكنديين. فهل حجم تعداد سكان العرب في الدول غير العربية في تزايد يجعل الطلب على أطباق المطبخ اليمني في تصاعد، أم أن فنون التسويق وذائقة سكان تلك الدول تُحبّب خوض تجارب طعام جديد؟

لفت نظري أن مطعم ”باب اليمن“ أدرج في قسم المقبلات أطباقًا من المطبخ اللبناني، مثل: تبولة وفتوش ومتبل وحمص وبابا غنوج. فراودتني نفسي لتناول طبق تبولة كمقبلات إلى جانب طبق رئيسي عبارة عن لحم لباني وعصير أفوكادو طازج. وكنت أتساءل: هل نشهد ولادة مطابخ هجينة «Hybrid Kitchen» تدمج أطباقًا من مطابخ عدة بهدف جذب الزبائن المستهدفين، أم أن خاصية أصناف كل مطبخ داخل كل مطعم ما زالت قائمة؟! شخصيًا لن أستغرب إن رأيت مطاعم هجينة كما رأينا الآن صيدليات هجينة تضم إلى جانب الأدوية العلاجية ركن بيع مواد غذائية، وركن بيع أدوات تجميل، وركن بيع عطور، وركن بيع كتب صحية، وركن بيع منشطات، وركن بيع أدوات سفر!!!

كان كابتن الصالة مصريًا، ومالك المطبخ يمنيًا، وطهاة المطعم خليط من اليمنيين، والزبون خليجي. دخل السرور لفؤادي بأن ينصهر أبناء الوطن العربي.

تساؤل طرأ على ذهني: مع انتشار مطاعم الجاليات العربية في أوروبا والشمال الأميركي والصين، كيف يتم خلق تسويق لمنتجاتها لضمان استمراريتها وإحراز تدفق سيولة في خزائنها واقتطاع حصة من السوق لها؟!

عند إعداد إدراج للمطاعم العربية في الدول الغربية والشرق الأدنى ونوع المطابخ وأماكن انتشارها، نرى أن المطعم اللبناني هو المتصدر والأكثر شهرة لسمو أطباقه ولذيذ طعامه وأناقته ونظافته. ويليه مطبخ الطعام المغربي، ثم المطبخ السوري، ثم المطبخ العراقي، ثم المطبخ التونسي. حديثًا أخذ المطعم اليمني يخترق السلم التراتبي. انتشار الجاليات العربية بالغرب والشرق نتيجة لحروب أهلية وإقليمية أو تجارة أو هجرات اقتصادية أو ابتعاثات تعليمية أو سياحات علاجية.

فطبق الفول تراه في شارع Saint Laurent, وطبق الكباب العراقي متوفر في الشارع اللندني، وطبق الحنيذ متوفر في مدينة ديربورن، وطبق الهريس تراه في أحد متفرعات شارع الشانزليزيه الفرنسي، وساندويتش الفلافل متوفر في كل شوارع المدن الكبرى الأوروبية، وساندويتش الشاورما في متناول يدك حيثما تحل وترحل بمدن أميركا ومجمعات كندا وحتى شوارع ريو دي جانيرو البرازيلية.

«فاسعوا في مناكبها» الآية

طلب الرزق الحلال يستوجب السعي الدؤوب في الأرض. البعض يحطم معنويات الآخرين عبر نشر روح القنوط من رحمة الله والترويج للبؤس، ولا يُكلّف نفسه في حث الشباب على السعي الدائم لبلوغ مراده من الرزق الحلال.

طلب الرزق

لفت انتباهي قبل فترة وجود رواد أعمال ناجحين بشكل صامت وبعيد عن الضوضاء من جاليات مختلفة في مواقع متعددة من دول الخليج، نجحوا في تأسيس وتأصيل أعمالهم التجارية والخدمات الغذائية والصيانة الصناعية. أورد هنا بعض الأمثلة:

1 - إنسان بنغلاديشي أسس محل ضيافة افتراضي عبر طباعة بطاقة عمل تتضمن اسمه ورقم هاتفه فقط؛ وفعليًا تصله طلبات خدمة لصب القهوة والشاي في الأفراح والأتراح والمناسبات. ويعتاش من مداخيل ذلك النشاط منذ مدة تجاوزت 28 سنة.

2 - شابان سودانيان نشيطان تخصصا في إصلاح واستبدال مكائن مرائب البيوت والمحلات؛ وساعدا أنفسهما بأنفسهما في تكوين ضمان وظيفي مع شبه انعدام للمنافسة!!! فالناس تتعامل معهما لمنافسة السعر وجودة الخدمة.

3 - عاملان من دول الشمال الإفريقي تملكا سيارة فان وجهزاها بـ أجهزة مقاعد هيدروليكية، ودشّناها لخدمة نقل كبار السن والمقعدين من وإلى المستشفيات بأسعار تنافسية!!!

هذه الأمثلة خاطفة، وحتمًا هناك الكثير الكثير من الأمثلة. أنصح الشباب من أبناء الوطن برفع معنويات بعضهم البعض ودراسة احتياج السوق وسد الاحتياجات والتميّز في الخدمة.

4 - خياط بنغلاديشي في أحد أزقة مدينة برشلونة بدأ مساعد خياط بالكاد يحرز مقولة ”قوت من لا يموت“، والآن لديه عدة فروع متخصصة في خياطة البدل الرجالية المميزة.

بعض المحبطين والقانطين لا يعلمون أنه كان هناك نزوح من بعض الجاليات العربية عن أرض أوطانهم نتيجة الاضطرابات والحروب والتمزق هناك إلى بعض الدول الخليجية المستقرة، فكان رجال بعض تلكم الجاليات يجلبون أدوات إعداد التبولة من سوق الخضار المركزي «ربطات البقدونس + طماطم + بصل ربيعي + ليمون + برغل + زيت زيتون»، ويودعون كل ذلك لزوجاتهن لإعداد أطباق التبولة. وبعد انتهاء النساء من التحضير، يقوم الرجال ببيع ما تم تحضيره لبعض المطاعم بالكيلو مع هامش ربح نسبي ومعقول، وبدور أصحاب تلكم المطاعم يعيدون بيعه مع هامش ربح كبير ومُجزٍ قد يصل إلى 500% أو أكثر، كما نُقل لي.

بينما البعض من أولئك المحبطين يبرر كسله بالقول إن طبق التبولة يحتاج إلى عمل كثير وتحضيره متعب؟! والواقع أن ربطة البقدونس الواحدة بنصف ريال، وباقي المكونات لا تتجاوز تكلفتها مجملًا ريالًا ونصف، بينما يباع ملء وعاء قطره 21 سم بسعر 18 - 28 ريالًا!!

يا طالب الرزق، تذكر نداء الله: «فاسعوا في مناكبها»، فإن ورق العنب أضحى صناعة وتجارة تدر أموالًا كثيرة، وفتحت بيوتًا عديدة، وأنتجت وظائف متفرعة.