آخر تحديث: 23 / 5 / 2026م - 8:56 م

سعادة أن تكوني ممرضة

رائدة السبع * صحيفة اليوم

حين اخترتُ مهنة التمريض لم أكن أعلم أن قلبي سيتّسع لكل هذا الألم ليعيده طمأنينة. لم أكن أعلم أنني سأتعلم الإصغاء قبل الكلام، وأن أقرأ الوجوه حين تعجز عن النطق، وأن أكون ذاكرةً لأوجاعٍ لا تخصّني، وأمانًا عابرًا في أكثر اللحظات هشاشة.

في ممارسة التمريض لا تعالجين فقط.. بل تظلين حين يغادر الجميع، وتلتقطين ما لا يُقال، وتُديرين صمت الغرفة بوعيٍ خفي، وتمسكين بالخيط الرفيع بين الألم والطمأنينة.

وفي هذه المهنة، لا يُقاس ما تفعلينه بما يظهر أمام الناس، بل بما لم يحدث لأنكِ كنتِ هناك في اللحظة المناسبة. وهكذا يبدأ التمريض: لا كإجراءٍ طبي، بل كطريقة مختلفة لفهم الإنسان.

فالطب يتقصّى المرض، أما التمريض فيُبصر الإنسان داخله. وفي هذه المسافة الدقيقة بين العلم والمعنى يتشكل جوهر الممارسة التمريضية: ليس مراقبة الجسد فقط، بل مرافقة الإنسان في هشاشته وإعادة ترتيب عالمه الداخلي حين ينهار توازنه.

فالإنسان حين يمرض لا يفقد صحته فقط، بل يفقد اتصاله بالعالم، وتتصدع علاقته بذاته وبمن حوله. وهنا لا يكفي التدخل الطبي وحده، بل يحتاج إلى حضورٍ يعيد له الإحساس بالثبات وبالحياة.

ولذلك، فإن التمريض في أعمق معانيه، فعلٌ وجودي يعيد الإنسان إلى نفسه قبل أن يعيده إلى عافيته، ويمنحه القدرة على الاستمرار حين تتراجع كل المعاني.

لكن ماذا أعطتني هذه المهنة؟ أعطتني دعواتٍ لا تُرى كانت كفيلةً أن تُنجيني، وشكرًا لا يُنسى، ورسائل صغيرة أكبر من أي إنجاز يمكن قياسه. وأعطتني ذاكرةً لا تخفت: مريضة بعد عشر سنوات ما زالت تكتب لي في يوم ميلادي وترسل هديةً كأن العناية لا يمرّ عليها الزمن. وفي يومٍ عادي قال لي طبيب: فحصك مجانًا لأنكِ كنتِ سببًا في شفاء والدتي.

ورسائل كثيرة تقول الشيء ذاته: أن الأثر لا ينتهي عند لحظة الخدمة، بل يمتدّ في حياة الآخرين بشكلٍ لا يُرى.. أقف صامتةً وأبتسم، لأنني أدركت أن ما نعطيه هنا لا يضيع، بل يعود بشكلٍ مختلف، وبقلبٍ أكبر مما منحناه.

وأخيرًا، أتمنى لطاقم التمريض في أنحاء العالم قلوبًا لا يثقلها العطاء، وأرواحًا ثابتةً وبصيرةً تحفظ لهم اتزانهم الإنساني، وقوةً بقدر ما يمنحون، وطمأنينةً تعود إليهم كما يصنعونها للآخرين، وأثرًا يبقى محفوظًا كما يحفظون حياة من يمرّون بهم في أكثر اللحظات هشاشة.