آخر تحديث: 22 / 5 / 2026م - 9:37 م

علي النابود.. حين يحلّق الكرسي المتحرك في صدارة التنمية

حسين الدخيل *

كثيراً ما نتعامل مع مصطلح «الأشخاص ذوي الإعاقة» وكأنه توصيف اجتماعي نُهديه بدافع التعاطف والاحترام، ثم نغلق الملف ونمضي. لكن الحقيقة التي تتكشف كلما اقتربنا من النماذج الحقيقية، تؤكد أن هذا المصطلح ليس مجاملة لغوية، بل اختبار قاسٍ لمعنى الإرادة حين تُجرّد من كل الأعذار.

في سيرة الشاب علي محمد النابود، لا نجد أنفسنا أمام قصة تُروى بوصفها استثناءً عاطفياً، بل أمام تجربة إنسانية صلبة تعيد ترتيب المفاهيم بهدوء شديد ودون ادعاء للبطولة. فنحن نرى بوضوح كيف أن الكرسي المتحرك لا يقص أجنحة من يقرر التحليق.

في عام 2003، غيّر حادث مروري مسار حياته بالكامل، وأغلق باب الحركة الجسدية المعتادة، لكنه في المقابل فتح أبواباً أخرى لم تكن مرئية؛ أبواب الإرادة، وإعادة اكتشاف الذات، والقدرة على تحويل الألم إلى مشروع حياة.

من السهل نظرياً الحديث عن تجاوز الإنسان لمحنته، لكن التحدي الفعلي يكمن في تحويل ذلك إلى سلوك يومي ممتد. سبع سنوات من العلاج الطبيعي والوظيفي لم تكن لعلي مجرد مرحلة استشفاء، بل معسكراً طويلاً لإعادة بناء الإنسان من الداخل قبل الخارج. وكثيرون قد يتوقفون عند حدود التكيّف، لكنه اختار مساراً أكثر طموحاً؛ فأكمل دراسته الثانوية ثم اتجه لنيل دبلوم المحاسبة، ليوجه رسالة مبكرة مفادها أن الحركة ليست الشرط الوحيد للتقدم، وأن العجز الحقيقي يبدأ فقط حين يتوقف العقل عن الإيمان بقدراته.

ولم تتوقف القصة عند حدود الإصرار المحلي، بل امتدت لتصبح رحلة علمية عابرة للحدود. ابتعاثه إلى أستراليا للحصول على البكالوريوس في المحاسبة، ثم إلى بريطانيا لحصد الماجستير في المالية والمحاسبة، لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل ارتقاء في مستوى الطموح من مرحلة إثبات الذات إلى صناعة الاختصاص. وبين هذا وذاك، لم يكن العلم مجرد درجات أكاديمية تُعلّق، بل إعادة صياغة كاملة لموقعه في الحياة؛ من متلقٍ لضربات الظروف إلى فاعلٍ فيها.

ولأن لغة العصر لا تعترف إلا بالكفاءة المتجددة، عزز مسيرته بتخصصات حديثة في الحوكمة البيئية والاجتماعية «ESG»، وكأنه يقرأ المستقبل قبل وصوله. واليوم، حين نراه مساهماً في مشاريع وطنية كبرى بحجم «نيوم» و«البحر الأحمر» و«القدية» من خلال عمله في إحدى الشركات البريطانية، يصبح من الصعب اختزال قصته في إطار شخصي. هنا تحديداً، تتحول السيرة الفردية إلى جزء من سردية وطنية تؤكد أن التنمية تُبنى بعقول وسواعد لا تعرف الانكسار، ليصبح شريكاً فاعلاً في رسم خارطة المستقبل الاقتصادي لبلاده.

وما يضفي بُعداً إنسانياً أعمق على هذه السيرة، امتداد عطائه إلى العمل التطوعي والاجتماعي داخل المملكة وخارجها. وهو امتداد طبيعي لبيئة أسرية تضع خدمة الناس في قلب سلوكها اليومي، استكمالاً لإرث والده في ثقافة البذل والمبادرة ومساندة الآخرين.

في نهاية المطاف، تظل سيرة علي النابود مرآة تعكس إجابة واضحة لسؤال: من يحدد شكل الحياة، الظروف أم الإنسان؟ الإجابة التي تفرض نفسها هنا، أن الإرادة الحقيقية لا تكتفي بتجاوز الواقع بل تعيد تشكيله. وهنا نفهم تماماً أن «الأشخاص ذوي الإعاقة» ليسوا فئة تُعرّفها التحديات، بل شركاء تنمية قادرون على تحويل العجز إلى بداية، ورفع راية هذا الوطن عالياً في كل محفل وميدان.





التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالرزاق النابود
[ تاروت ]: 22 / 5 / 2026م - 3:03 م
الإرادة والصبر يهزمان العجز البدني عندما تتوفر لدى صاحبها في تقرير الذات والمصير.العقل موهبة عند الكل ولكن قليل من الناس من يستغل هذا الجهاز في التفكير والتخطيط لكسر حواجز واقعنا الذي نعيش فيه.
انها نظرية كن او لا تكون ، اما الانطلاق نحو المستقبل او الاستسلام للمرض والعجز. هذه هي حكاية طموح ابن أخي الشاب الطموح علي وكيف سيطر على المرض وسط حياته ومستقبله بإبتسامة وكفاح ناله في النهية