آخر تحديث: 21 / 5 / 2026م - 8:09 م

حسن الصفار.. نصف قرن من الخطابة والفكر ورحلة البحث عن الإنسان

غالب درويش *

في ذاكرة المنبر الديني الخليجي، يبرز اسم الشيخ حسن الصفار بوصفه واحدًا من أبرز الأصوات التي أعادت تعريف الخطاب الديني، ليس باعتباره مساحة للوعظ التقليدي فقط، بل باعتباره مشروعًا للوعي والإصلاح وبناء الإنسان.

وعلى امتداد ما يقارب خمسة عقود، تحولت خطبه ومحاضراته إلى تجربة فكرية وإنسانية تركت أثرها في أجيال كاملة، بفضل قدرته على الجمع بين بساطة الطرح وعمق الفكرة، وبين حرارة المنبر ورحابة التفكير.

لم يكن ”الصفار“ خطيبًا تقليديًا يكتفي بسرد النصوص أو استحضار الموروث، بل كان صاحب رؤية حاول من خلالها ربط الدين بالحياة، والإنسان بالمجتمع، والقيم بالواقع. لذلك بدت خطبه أقرب إلى مساحة حوار فكري وأخلاقي، تدفع المستمع إلى التفكير أكثر مما تدفعه إلى التلقي.

حدث غيّر المرحلة

تعود أولى الذكريات العميقة مع ”الصفار“ إلى عام 1979، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في المنطقة، يوم حادثة اقتحام الحرم المكي بقيادة جهيمان العتيبي وجماعته. كان الحدث صادمًا ومزلزلًا، ليس فقط دينيًا، بل سياسيًا واجتماعيًا أيضًا، وفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول المستقبل والتحولات المقبلة.

في تلك المرحلة، تكثفت اللقاءات والنقاشات مع ”الصفار“، وسط حالة عامة من الترقب والقلق. ومنذ ذلك الوقت، برزت ملامح شخصية مختلفة، تحمل قراءة أعمق للمجتمع، ورؤية تتجاوز الفكر السائد آنذاك. كان حديثه عن الإنسان والحياة ووحدة المجتمع يكشف مبكرًا عن مشروع فكري قائم على الوعي والمسؤولية، لا على الانفعال أو الانغلاق.

الكويت والانفتاح الفكري

شكّلت الكويت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي محطة مهمة في مسيرة الصفار الفكرية. يومها كانت البلاد مساحة مفتوحة للإعلام والصحافة والنقاشات الفكرية المتعددة، وهناك تعددت اللقاءات والجلسات الأسبوعية التي جمعت نخبة من المفكرين والمثقفين.

وسط تلك البيئة، تبلورت ملامح خطاب الصفار الإصلاحي، القائم على الحوار والتعايش والانفتاح. لم يكن الدين بالنسبة إليه هوية مغلقة أو إطارًا طائفيًا ضيقًا، بل مشروعًا حضاريًا لبناء الإنسان وتعزيز القيم الأخلاقية والوعي الاجتماعي.

وفي زمن كان الخطاب الديني السائد يميل إلى الطابع الوعظي والانفعالي، جاء طرح الصفار مختلفًا؛ يركز على النقد الذاتي، وتنمية الوعي، وربط التدين بالمسؤولية الاجتماعية. لذلك شعر كثيرون آنذاك أن ما يطرحه يمثل اختراقًا للنمط التقليدي في التفكير الديني.

رؤية تتجاوز المنبر

تميّز ”الصفار“ بقدرته على تحويل المنبر إلى مساحة للتفكير، لا مجرد منصة للخطابة. فقد تراوحت موضوعات خطبه بين التربية والإصلاح الاجتماعي، وقضايا الشباب، والوحدة الوطنية، والتعايش، وبناء المجتمع المدني.

وكان يؤكد دائمًا أن القيم الكبرى، مثل العدالة والرحمة والكرامة الإنسانية، تمثل جوهر الشريعة وروحها الحقيقية، وأن أي ممارسة دينية تفقد بعدها القيمي تتحول إلى شكل بلا مضمون.

هذا الفهم جعل خطابه قريبًا من الناس، لأنه يخاطب العقل والقلب معًا، ويربط النصوص الدينية بواقع المجتمع وتحدياته اليومية. لذلك لم يكن تأثيره نابعًا فقط من قوة اللغة أو البلاغة، بل من قدرته على تحويل الفكرة إلى تجربة إنسانية حية.

مسيرة فكرية

وُلد ”الصفار“ عام 1958 في مدينة القطيف بالمنطقة الشرقية في السعودية، وتلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب الأهلية والمدارس المحلية، قبل أن ينتقل إلى النجف ثم قم وطهران والكويت لاستكمال دراساته الدينية والفكرية. وبدأ ممارسة الخطابة في سن مبكرة جدًا، إذ اعتلى المنبر وهو في الحادية عشرة من عمره، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز الوجوه الفكرية والدينية في المنطقة.

وقام بتدريس عدد من العلوم الدينية والفكرية لطلاب العلوم الشرعية ومجموعات من الشباب المثقف، إلى جانب نشاطه الفكري والثقافي.

وخلال رحلته، انشغل بقضايا بناء الإنسان، وتعزيز ثقافة التسامح، وترسيخ مفهوم المواطنة والمساواة، ومواجهة التمييز والانغلاق، عبر أدوات الفكر والحوار والعمل الثقافي والاجتماعي.

كما أسهم في تأسيس ورعاية عدد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية، وظل حضوره الفكري مرتبطًا بالدعوة إلى التعايش واحترام التنوع المذهبي والفكري، باعتبار ذلك شرطًا لاستقرار المجتمعات وتقدمها.

تحولات الزمن

ومع عودته إلى السعودية، استمرت اللقاءات الفكرية، لكن الزمن كان قد تغيّر، وكذلك المجتمع، فقد فرضت التحولات السياسية والاجتماعية أسلوبًا أكثر هدوءًا وحذرًا في إدارة النقاشات، مع الحفاظ على جوهر المشروع الإصلاحي القائم على الوعي وبناء الإنسان.

ورغم تغير الظروف، بقي ”الصفار“ متمسكًا بالفكرة الأساسية ذاتها: ”أن الدين يجب أن يكون عاملًا لبناء المجتمع لا سببًا للانقسام، وأن الحوار والتفاهم أكثر جدوى من الصدام والانغلاق“.

خلاصة التجربة

يمكن النظر إلى تجربة حسن الصفار بوصفها محاولة لصياغة نموذجًا دينيًا معاصرًا يوازن بين الأصالة والانفتاح، وبين الهوية الدينية والانتماء الوطني، ويربط الإيمان بالمسؤولية الاجتماعية.

وعلى امتداد نصف قرن، لم يكن حضوره مجرد حضور خطابي، بل مشروعًا فكريًا متكاملًا يسعى إلى بناء الإنسان الواعي، وترسيخ ثقافة الحوار، وإحياء البعد الحضاري للدين.

ويمثل ”الصفار“ نموذجًا للخطيب الذي يجمع بين الإبداع اللغوي، الرؤية الفكرية العميقة، والحس الإنساني الدافئ، وبهذا أصبح حضوره المنبري تجربة تعليمية وروحية لا تُنسى، وتجربة تثري وعي المجتمع وتفتح آفاقًا جديدة للفهم المتنور للدين والحياة.

ولهذا بقيت تجربة ”الصفار“، بالنسبة لكثيرين ممن عايشوا تلك المرحلة، أكثر من مجرد ذكريات منبرية، بل رحلة فكرية وإنسانية تركت أثرها العميق في الوعي، وفي طريقة النظر إلى الدين والحياة والمجتمع.

صحافي سعودي مختص بالشؤون الاقتصادية، يشغل حالياً منصب صحفي أول في موقع ”إندبندنت عربية“. عمل لسنوات مع ”قناة العربية“ و”صحيفة الشرق الأوسط“