آخر تحديث: 21 / 5 / 2026م - 6:20 م

هل يمكن لفكر الإمام علي (ع) أن يعالج أزمات بيئة العمل الحديثة؟

أحمد مكي الجصاص *

في الوقت الذي تتسابق فيه الشركات العالمية لبناء ”بيئات عمل مثالية“، تبدو المفارقة واضحة: التكنولوجيا تتطور، والأنظمة الإدارية تتعقد، لكن الأزمات البشرية داخل المؤسسات تتفاقم أكثر من أي وقت مضى. احتراق وظيفي، ضعف انتماء، فقدان ثقة، ارتفاع الاستقالات، وتراجع الولاء المؤسسي… حتى أصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نرفع الأرباح؟ بل كيف نحافظ على الإنسان داخل بيئة العمل؟

وربما هنا تحديدًا يعود فكر علي بن أبي طالب إلى الواجهة، ليس بوصفه طرحًا تاريخيًا، بل كنموذج إداري وإنساني يبدو أكثر حداثة مما نتصور.

اليوم، تؤكد تقارير Gallup أن العالم يعيش أزمة اندماج وظيفي حقيقية؛ إذ أظهر تقرير ”حالة بيئة العمل العالمية 2026“ أن نسبة الموظفين المنخرطين فعليًا في أعمالهم انخفضت إلى 20% فقط عالميًا، بينما تسبب ضعف الارتباط الوظيفي بخسائر تُقدّر بنحو 10 تريليونات دولار من الإنتاجية المفقودة عالميًا.

هذه الأرقام تكشف أن المشكلة لم تعد مجرد أزمة موارد بشرية، بل أزمة اقتصادية تؤثر على النمو والإنتاجية واستقرار الشركات.

المثير للاهتمام أن كثيرًا من جذور هذه الأزمة ترتبط بما كان الإمام علي ، يحذر منه إداريًا قبل قرون: غياب العدالة، وتقديم العلاقات على الكفاءة، وتحول السلطة إلى أداة ضغط بدل أن تكون مسؤولية لخدمة الناس.

في بيئات العمل الحديثة، لم يعد الموظف يبحث فقط عن راتب جيد، بل عن احترام، ووضوح، وعدالة، وشعور بالقيمة. ووفق بيانات Gallup, فإن الموظفين الذين يشعرون بوجود معنى وهدف في أعمالهم يكونون أكثر اندماجًا في وظائفهم بمقدار 5.6 مرات مقارنة بغيرهم، كما تقل لديهم معدلات الاحتراق الوظيفي والرغبة في ترك العمل بشكل كبير.

وهنا تتجلى نقطة جوهرية في فكر الإمام علي ، إذ لم يكن ينظر إلى الإنسان باعتباره ”أداة إنتاج“، بل باعتباره أساس الاستقرار والنجاح. ولذلك ركز على الكفاءة، والإنصاف، والرحمة في الإدارة، وربط بين العدالة واستقرار المجتمع والدولة.

أما اليوم، فكثير من المؤسسات وقعت في فخ ”الإدارة بالأرقام فقط“، حيث تُقاس قيمة الموظف بما ينجزه لا بما يحتاجه ليستمر ويبدع. والنتيجة كانت بيئات عمل مرهقة تستهلك الإنسان قبل أن تطور المؤسسة.

وتشير بيانات حديثة إلى أن 79% من الموظفين عالميًا إما غير مندمجين في أعمالهم أو يشعرون بالسخط تجاه وظائفهم، وهو ما ينعكس على الإنتاجية والثقافة المؤسسية ومعدلات الاستقالات المرتفعة.

كما أظهرت أبحاث حديثة أن غياب الشعور بالانتماء داخل فرق العمل يرتبط مباشرة بارتفاع مستويات الاحتراق الوظيفي والتسرب المهني، بينما تؤدي بيئات العمل القائمة على الثقة والاعتراف والشفافية إلى رفع الرضا والاستقرار والإبداع.

ومن هنا تبدو فلسفة الإمام علي الإدارية شديدة المعاصرة؛ لأنها تقوم على فكرة جوهرية: لا يمكن بناء مؤسسة قوية بموظف يشعر بالظلم أو التهميش أو الخوف.

فالقيادة الحقيقية وفق هذا الفكر ليست في فرض السلطة، بل في صناعة الثقة، وليست في مراقبة الموظفين فقط، بل في بناء بيئة تجعلهم يريدون النجاح من تلقاء أنفسهم.

قد لا تكون أزمات بيئة العمل الحديثة ناتجة عن نقص التقنيات أو الاستراتيجيات، بل عن تراجع البعد الإنساني داخل المؤسسات، ولهذا فإن العودة إلى قيم العدالة والكفاءة والرحمة التي رسخها الإمام علي ليست استدعاءً للماضي، بل محاولة لإنقاذ مستقبل العمل نفسه، لأن المؤسسة التي تخسر الإنسان… ستخسر كل شيء بعده.

مستشار الموارد البشرية