أمواجٌ متلاطمة
في هذه الحياة، نحن لا نسكن الأرض بقدر ما نسكن رغباتنا. ثمّة أشياء قبضنا عليها بأيدينا فصارت جُزءاً من روتيننا الباهت، وثمّة أحلامٌ معلقة على مشانق ”المستحيل“ أو ”المؤجل“، نجاهد للوصول إليها وكأننا نقتفي أثر الضوء في نفقٍ مسدود. إن الإنسان كائنٌ مصلوبٌ بين ما يملك وما يفتقد، يسعى دوماً لترميم النقص في روحه عبر معارك يخوضها كل يوم.
بين جدران الفصول الدراسية، وفي زوايا غرف المذاكرة المضاءة بمصابيح القلق، يقف طالب الثانوية شامخاً ومرتجفاً في آنٍ واحد. هو ليس مجرد طالب يقلب صفحات الكتب، بل هو بحّارٌ غُرّ ألقيَ به في خضمّ محيطٍ هائج. تتلاطم به أمواج القدرات التي تقيس ذكاءه بمسطرة جافة، وتجرفه تيارات المهام المدرسية والاختبارات الفترية التي لا تهدأ، ناهيك عن المشاريع التي تسرق منه وسادة نومه.
خلف تلك الابتسامات الشاحبة، يدور صراعٌ أكبر من أعمارهم الغضة:
• صراع البقاء: الرغبة في النجاة والوصول إلى شاطئ الجامعة الآمن.
• صراع الانكسار: الخوف من العودة بخفي حنين، وإعادة الاختبارات التي تجرّ خلفها ذيول الإحباط.
• صراع الوفاء: الرعب الأكبر ليس من الفشل في ذاته، بل من رؤية ”كسرة الخاطر“ في عين أبٍ كدّ من أجله، أو دمعةٍ مخفية في عين أمٍّ رأت فيه بطلها المنتظر.
بينما ينجح البعض في ركوب الموج بمهارة، مستخدماً مجاديف الصبر والتنظيم، يجد الأغلب أنفسهم في دوامة الإعادة. هؤلاء ليسوا فاشلين، بل هم مقاتلون تعبت خيولهم في منتصف الطريق. إن الخوف من الفشل في هذه المرحلة يتحول إلى زنزانة اختيارية، حيث يصبح ”التحصيل الدراسي“ هو القاضي والجلاد، وتصبح الأحلام مجرد قصاصات ورق مبللة بماء الموج المالح.
تخيل ذلك الفتى الذي يقف أمام شاشة النتائج، قلبه يقرع طبول الحرب، وأصابعه ترتجف. حين تظهر كلمة ”لم يجتز“ أو درجة لا تليق بطموحه، لا يسقط وحده، بل تسقط معه في نظره أحلام العائلة وصورة ”الابن المثالي“. في تلك اللحظة، يشعر أن الموج قد ابتلعه تماماً.
لكن، هل النهاية تكون تحت الماء؟
إن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن البحر لا يمنح أسراره إلا للغواصين الذين صمدوا طويلاً تحت ضغطه. إن إعادة الاختبار ليست ”نهاية العالم“، بل هي ”فرصة ثانية“ لترميم الشراع وتعديل المسار.
يا بنيّ، ويا كل من تتلاطم به أمواج القدرات والظروف: إن السفن لا تغرق بسبب المياه التي تحيط بها، بل تغرق بسبب المياه التي تتسرب إلى داخلها.
ليس الفشل أن تقع، بل الفشل أن تبقى حيث وقعت.
تذكر دائماً أن قلب والديك الذي تخشى كسره، هو أكثر القلوب إيماناً بك، حتى في عثراتك. هم لا يريدون بطلاً خارقاً، بل يريدون ابناً لا يستسلم. الجامعة محطة، وليست نهاية الطريق، وقدراتك الحقيقية لا يحصيها اختبار في ساعة زمن، بل يحددها صمودك في وجه العاصفة.
انهض، جفف رداءك من ماء اليأس، وعُد إلى الموج مرة أخرى.. فالبحار الهادئة لا تصنع رباناً ماهراً.













