آخر تحديث: 21 / 5 / 2026م - 6:20 م

الكتابةُ ما بعدَ الواقعيَّة

قراءةٌ في مجموعةِ ”ثلاثة فخاخ لذئب أعور“ للقاصِّ محمد سرور

محمد الحميدي * مجلة اليمامة

اليوميُّ والاعتيادي والمكرَّر لا يلفت النظر ولا يجلبُ الاهتمام، إذ يرافقُ الأشخاص من بدايةِ حياتهم إلى نهايتِها، دون أنْ يطرحوا سؤالاً واحداً حول أهميتها ومعنَاها، بل عن إمكانيَّة تغييرها وتبديلِها، وهو ما فعلَ نقيضهُ القاص محمد سرور في مجموعتِه ”ثلاثة فخاخ لذئب أعور“.

سعى منذُ البداية للفتِ الانتباه إلى إنسان التشرُّد والضياع، حيثُ الحرب تحرقُ وتدمر وتمنعُ الحياة؛ ليظلَّ أسير التيهِ والبحث عن لقمةٍ تسد الجوع وتمنعُ الموت، وهيَ رؤية ستشكِّل أبعاد النصوصِ وتمنحها معنَاها، فينطلقُ من الواقعية إلى ما بعدَها، ومن الحقيقيَّة إلى الإضافةِ عليها، ولا يكتفي بالوصفِ والإشارة، بل يضيفُ الخيال ويعملُ على التضخيمِ وزيادة التأثير، فالأهمُّ إيصال الفكرة والإصرارُ عليها، ليحضر البكاءُ الذي سيمثِّل عنصراً أساسيًّا تعتمد عليه في بناءِ أحداثها وتوجيهِ دلالاتها.

البكاءُ الدائم يشيرُ إلى وجعٍ ومأساة لا تتوقَّف، إذ النصوص تحكي مأساةَ المخيمات والهاربينِ من الجوع والخوف، حيثُ الهرب لا يؤدِّي إلا إلى الموت، وهوَ ما سيصبح أمراً اعتياديًّا ويوميًّا، ففي قصَّة ”حادي المخيم“، يجتمعُ الموت والبكاءُ منذ البدايةِ: ”جمع من النسوة، متشحات بالسواد، جئن مسرعات بعد أن رقد تراب القصف، وأحصت كل عائلة ضحاياها، جئن من أكثر من حي، استدعاهن بعض عائلات الضحايا. ليشاركنهم الفجيعة بالندب واللطم والنواح، ولمحاولة أخيرة للبكاء. ولكن الكل يعلم أنه منذ فترة ولم يعد أحد يبكي في المدينة“.

التوقُّف عن البكاء جاءَ نتيجة لتكرارِ الموت، ف ”النسوة المتشحات يحاولن استدرار أيِّ دمعة على الدماء“، لكنَّ الناس أصبحُوا ”أحجار“ لا تبكي، المفارقةُ حدثت في بيتِ ”مازن“، إذ ”الكل يسح بالدموع، والنهنهة تنطلق قوية من الحناجر، وصوت عذب يتردد بقوة من وسطهن“، لدرجة أنَّ ”الصوت لم يجذب الناس فقط، فقد شاهد الناس فوقهم نسوراً وبوماً وغرباناً“، حتى أنَّ بومة اقتربت وحطَّت على كتفِ مازن، ”وهي تطلق نهاماً حزينا، ليختلط بصوت مازن، وبدا لكل من سمعه أنهما يعزفان معاً أنشودة للحرب والموت“.

غدا البكاء مطلباً، فكلما توقَّف مازن أو تعبَ ”انطلقت الأصوات تطلب المزيد، مرددة: غنِّ يا مازن ونُحْ؛ فنحن في حاجة إلى البكاء“؛ ليتحوَّل من مجرد التعبيرِ عن المشاعر إلى التخلِّي عن الحياةِ ذاتها، فالذينَ يستمعون لصوتِه انتهى بهم الأمرُ إلى البكاء وتركِ ما في أيديهم، وقد تجاوزَ بعضهم إلى ”الانتحار“؛ ليكتشفَ أن صوته ليسَ هِبة إنما ”لعنة“، فقرَّر التوقف ”صوتي خراب، لن يجلب سوى المزيد من الموت“، بينما الناسُ يؤكدون: ”انظر حولك، الموت هنا بالفعل يا مازن، نحن فقط ننتظر أدوارنا“؛ ليتخلَّى عن حذرِه وينطلق في الغِنَاء.

يُصاب بـ ”حمَّى“ شديدة تنتهي بجسدِه إلى الفناء، وبصوتِه إلى التوقُّف عن النوحِ والأغنيات، لكنَّ المفارقة أن بكاءَه استمر، حيثُ ”دموعه ظلت تنساب لساعات طويلة بعد موته، رآها كل من دخل الخيمة ليودِّعه“.

فعلُ البكاء مشارك في بناءِ الحدث وتوجيهِ الدلالة، ففي قصَّة ”شجر الليمون“ التي أصبحَ الموت فيها اعتياديًّا، حيثُ ”رضوان“ نزعَ ”خوذة“ الجندي القتِيل، و”حفر اسمه عليها“، أصبحَت ”لا تفارق رأسه، يرتديها ليلاً ونهاراً“، ليبدأَ في رؤية ذكرياتِ الأشخاص الموتى الذينَ ارتدوها، وينتهي إلى نسيانِ ذكرياته الخاصَّة، ولمَّا مات لبِسَها أحد الفضوليينَ ”ولثوانٍ لم يحدث شيء، ثم بدأ في الحديث، أو بالأحرى بدأ في البكاء، وأخذ يضرب بكفه على فخذه“.

في قصَّة ”شجرة الخبز“ البكاءُ والخيال حاضرانِ منذ البداية؛ ”لم يصدق أحدٌ أم باسل التي كانت تجلس وتبكي وتنوح لساعات طويلة تحت شجرة السنط الضخمة وسط المخيم، التي - لسبب غير معروف - بدأت مؤخراً في طرح الغربان“؛ ليندفعَ الطفل ”يحيى“ ويدفُن نصيبه من ”الخبز“، يأملُ أن ”تنبت لنا شجرة مليئة بالخبز“، وهوَ ما حدث فعلاً ”ففي الصباح، أتاني صوت أمي مندهشاً، وهي تصيح ما هذا؟ كيف نبتت كل تلك أغصان الخبز؟ القيت نظرة إلى خارج الخيمة، رأيت شجيرات الخبز تنبت امام خيمتنا، ابتسمت وأغلقت عيني بهدوء“.

تُقارِب النصوص مأساةَ العيش في مناطقِ النزاع، حينَ يغدو الموت والفقد أمراً مألوفاً، فلجأ إلى تضخيمِ الأحداث والانتقالِ بها، من الحالةِ الواقعية إلى ما بعدَها، مع استدعاءٍ للبكاء، الذي بات سبباً في شفاء الأرواحِ وتخفيف الأوجاعِ وتوجيه الدلالات.