آخر تحديث: 21 / 5 / 2026م - 6:20 م

بيوت الله لا تحتمل الضجيج

عبد الله أحمد آل نوح *

قد يحدث أحيانًا أثناء تلاوة القرآن الكريم في المساجد أن يطلب أحد الحاضرين إعادة آية شعر أن فيها خطأ أو التباسًا في القراءة، وهو أمر طبيعي في مجالس القرآن التي تقوم أساسًا على التثبت وإتقان التلاوة واحترام كتاب الله.

لكن ما قد يؤسف له أحيانًا أن يتحول موقف بسيط كهذا إلى حالة من الانفعال، حين يرفع أحدهم صوته بطريقة لا تتناسب مع حرمة المكان، وكأن الاختلاف البسيط أصبح عند البعض سببًا كافيًا لرفع الصوت وفقدان هدوء المكان، رغم أن المسجد يفترض أن يكون أكثر الأماكن سكينة وطمأنينة وأدبًا.

فبيوت الله لم تُبنَ لتكون ساحة للنقاشات الحادة أو إثبات من هو الأصح أمام الناس، وإنما جُعلت للخشوع وذكر الله وتهذيب النفس. ولهذا كان من أدب الإسلام أن يُخفض الصوت في المساجد، وأن تُحفظ هيبتها حتى في لحظات الاختلاف أو سوء الفهم.

والحقيقة أن كثيرًا من المواقف لا تحتاج إلى رد بقدر ما تحتاج إلى هدوء واتزان. فليس كل تعليق يستحق الانفعال، وليس كل اختلاف يستدعي رفع الصوت. بل إن الإنسان الواعي هو من يدرك أن احترام المكان أحيانًا أهم من الانتصار للنفس أو إثبات وجهة النظر.

فبعض الردود قد تنتصر للنفس… لكنها تخسر احترام المكان.

كما أن طلب إعادة الآية أو تصحيح التلاوة ليس أمرًا مستغربًا، بل هو معروف بين أهل العلم والقراء، وقد أجاز العلماء تنبيه القارئ إذا وقع في خطأ يؤثر على القراءة أو المعنى. وحتى لو لم يكن هناك خطأ فعلي، فإن إعادة الآية لا تحمل أي إساءة، بل قد تكون بابًا لمزيد من التثبت أو التدبر أو الاطمئنان.

وما نحتاجه اليوم فعلًا هو ثقافة ضبط النفس، خصوصًا داخل الأماكن المقدسة، لأن بعض الكلمات حين تُقال بصوت مرتفع قد تكسر حالة السكينة التي جاء الناس يبحثون عنها. فالمسجد ليس مكانًا للمهاترات، ولا يليق أن يتحول إلى مساحة للتوتر أو الإحراج أمام الناس.

كما أن من الأخلاق الرفيعة أن يعرف الإنسان متى يتحدث، وكيف يتحدث، ومتى يختار الصمت احترامًا للمكان وللحاضرين. فليس كل موقف يحتاج إلى تصعيد، وبعض المواقف يكون أجمل ما فيها أن تنتهي بهدوء دون أن تترك أثرًا سلبيًا في النفوس.

إن احترام بيوت الله لا يكون فقط بالحضور إليها، بل أيضًا بطريقة الكلام فيها، وخفض الصوت، وحسن التعامل مع الآخرين مهما اختلفت الآراء أو وجهات النظر.

فبيوت الله لم تُبنَ لتعلو فيها الأصوات… بل لتسكن فيها النفوس.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال