مع كتاب ”العلاج بالقراءة“
يضاف هذا الكتاب إلى جهود الباحث السعودي حسن عبد العلي آل حمادة التي بدأها في كتابه ”أمة اقرأ لا تقرأ“ ونشره عام 1417 هـ/ 1997 م، ثم صدر له كتاب بعنوان ”الكتاب في فكر الإمام الشيرازي“ الذي طبع مرتين الأولى عام 1421 هـ/ 2001، والأخرى عام 1422 هـ/ 2002 م، كما صدر للمؤلف كتاب ”يسألونك عن الكتاب“ عام 1426 هـ/ 2006 م، وفي عام 2008 م كتاب ”تجارب الكتاب من القراءة إلى الكتابة“. وبذلك يكون الكاتب قد أعطى جل وقته واهتمامه لبحث مسألة القراءة وما يتصل بها من أفكار، حتى غدت القراءة مشروعًا ثقافيًا مميزًا للكاتب، استحق عليه المدح والتقريظ من ثلة من الكتاب والمثقفين المهتمين بهذا الشأن.
يميل الكتاب إلى الناحية الثقافية التثقيفية في تعامله مع القراءة حتى وهو يناقش البعد المدرسي، لذلك فإن آراءه في الكتاب ليست ذات طابع تعليمي، فيما يتصل بمهارة القراءة المدرسية بأشكالها المتعارف عليها، ولا آليات تنفيذها في حصص المطالعة، إنما يعزز الكتاب البعد التثقيفي لطلاب المدارس وانغماسهم في قراءة الكتب خارج المقررات المفروضة عليهم، مشددًا على أهمية تفعيل المرافق المدرسية لتدعم هذا التوجه من المكتبة المدرسية والإذاعة المدرسية، والمسابقات الثقافية، ومنح الطلاب المتفوقين كتبًا باعتبارها جوائز للتفوق.
ومن وجهة نظر المؤلف من خلال هذا الاهتمام الكبير بالقراءة، فإنه يرى هذا النشاط العقلي هو المحرك الرئيسي للتنمية الذاتية والمجتمعية؛ ”فمن أراد الدنيا فعليه بالقراءة، ومن أراد الآخرة فعليه بالقراءة، ومن أرادهما معًا فعليه بالقراءة“، وتكتسب القراءة أهميتها في الفكر التربوي والإسلامي بوصفها منطلق الهداية والوعي، وتتجاوز القراءة في هذا السياق - وكما بينت ذلك في كتابي ”خارج المتون… داخل العقل“ حدود الفك الآلي للحروف، إلا أنها تصبح عند المؤلف إيذانًا بمحو الأمية الشاملة، ومفتاحًا أصيلًا للعلم والمعرفة، وسبيلًا للرقي الحضاري، وينبوعًا متدفقًا للعطاء الفكري.
وعلى الرغم من هذه الأهمية إلا أن ثمة قلقًا متزايدًا - كما يرى المؤلف - حيال التراجع المتسارع لمعدلات القراءة؛ إذ ينظر إلى المجتمع الذي لا يقرأ بوصفه مجتمعًا عاجزًا عن اكتشاف ذاته، أو امتلاك إرادة التقدم، أو التطلع نحو المستقبل بأمل وطموح.
في سياق البحث عن حلول علمية وعملية لهذه الأزمة البنيوية، يبرز هذا الكتاب ”العلاج بالقراءة: كيف نصنع مجتمعًا قارئًا؟“ الذي صدر في طبعات متعددة، آخرها الطبعة الثالثة التي اعتمدت عليها، وقد صدرت عن دار أطياف للنشر والتوزيع عام 2014، وينطلق الباحث في دراسته هذه من خلفية أكاديمية متخصصة؛ إذ يحمل درجة البكالوريوس في حقل المكتبات والمعلومات من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، ويمارس العمل الميداني المتصل بالبحث والكتب سواء من خلال وظيفته أو من خلال مشاريعه ومبادراته الذاتية لدعم أنشطة القراءة في المجتمع، هذا الارتباط الوثيق بين المعرفة النظرية والممارسة الميدانية والأثر المبتغى للقراءة وانعكاسها على صحة الفرد نفسيًا وعضويًا، جعله ينحاز إلى مفهوم العلاج بالقراءة.
ينحاز الكاتب إلى تعريف هذا المفهوم إلى ما قاله الباحث الدكتور عبد العزيز شعبان خليفة بأنه ”علاج المريض من خلال قراءات مختارة“، توظف بعناية كوسائل علاجية مساعدة في الطب البدني أو النفسي، وكذلك في التوجيه والإرشاد لحل المشكلات الشخصية والسلوكية عبر القراءة الرشيدة الموجهة.
لم يكن الباحث أول من طرح هذا المفهوم أو ألف فيه، فقد سبقه إلى ذلك آخرون أعطاهم حق الإشارة والريادة، لكنه أشار أيضًا إلى أن المسألة موجودة قبل هذا النهج الاصطلاحي المقنن، إذ تمتد الجذور التاريخية لهذا النوع من العلاج إلى الحضارات القديمة؛ حيث كانت مكتبات المعابد الفرعونية، تحمل على جدرانها عبارات تؤسس لهذا المفهوم مثل ”هنا علاج الروح“، وينقل المؤلف عن المصريين القدماء قولهم ”المكتبة طب النفوس“.
لقد انتقلت هذه الفلسفة إلى المكتبات البابلية والآشورية واليونانية؛ إذ أتاح الطبيب اليوناني ”جالينوس“ مكتبته الطبية لمن يبتغي فهم ذاته وحل مشكلاته، وفي الحضارة الإسلامية، كان القرآن الكريم يوصف كعلاج متكامل للنفوس والأبدان في مستشفى المنصور بالقاهرة خلال القرن الثالث عشر الميلادي، واستخدمت الرقية الشرعية علاجًا لأمراض معينة، ومن الجدير ذكره أن مفهوم الاستشفاء لم يغب عن القرآن الكريم، وورد نصًا في بعض آياته، عدا ما هو وارد في بعض الأحاديث الشريفة المطهرة، سواء صراحة أو تلميحًا.
أما في العصر الحديث، فقد تطور هذا المفهوم مؤسسيًا مع بداية القرن العشرين عندما طبقت ”كاتلين جونز“ عام 1904 برامج علاجية منظمة بالقراءة في مستشفى ”ماكلين“ بالولايات المتحدة، وتلا ذلك توسع كبير خلال الحرب العالمية الأولى فتم بناء المكتبات في المستشفيات العسكرية وصارت من مهمتها توظيف القراءة لتأهيل الجنود المصابين بالصدمات.
يكشف الفحص الميداني للبيئة التعليمية عن أزمة ملموسة في علاقة الناشئة بالكتاب غير المدرسي، ويتجلى هذا التحدي بوضوح في السؤال الاستقصائي الذي وجهه آل حمادة لطلابه في المرحلة الثانوية: ”ماذا تقرأ من كتب غير مدرسية؟“، لتأتي إجابة الأغلبية العظمى كاشفة عن حجم الفجوة: ”وهل نحن نقرأ الكتب المدرسية حتى يتسنى لنا الوقت لقراءة الكتب غير المدرسية؟“، وتشير هذه الاستجابة العفوية إلى تلك العلاقة العدائية التقليدية والصورة السلبية الذهنية حيال الكتاب المدرسي المقرر، وقد انسحبت تلقائيًا على الكتاب الثقافي العام.
ويناقش المؤلف مجموعة من أسباب هذا العزوف والعداء التقليدي للكتاب داخل السياق المدرسي والتربوي إلى عوامل بنيوية وتاريخية، تتمثل فيما تعانيه المناهج في الوطن العربي من الاعتماد شبه الكامل على الحفظ والتلقين والاجترار، مما يفرغ العملية التعليمية من متعة الاكتشاف ويحول الكتاب إلى أداة قهرية لاجتياز الاختبارات فقط.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، أستذكر بهذا المقام ما عبر عنه الكاتب التونسي كمال الرياحي في أحد لقاءاته من أنه لا يرغب أن يكون له أي نص في الكتب المدرسية حتى لا يكرهه الطلاب، فربما سبب كره الطلاب للمدرسة ومحتواها التعليمي إلى كره كل كاتب يمر له نص في المقررات، ويجبرون على حفظ ما قال، فإذا ما أخفقوا صبوا جام غضبهم على أولئك المؤلفين، لا على أساليب التدريس والتقويم المتبعة في تلك المدارس.
أضف إلى تلك الأسباب كذلك غياب الوعي بالتثقيف والتعلم الذاتي؛ فيتكرس هذا الغياب نتيجة طبيعية للممارسات التعليمية؛ حيث تصر فئات من المعلمين على تلقي الإجابات الحرفية والنصية في الامتحانات، ما يعطل التفكير والتحفيز العقلي ويهدم روح الإبداع والابتكار لدى التلاميذ، كما يمثل البعد عن الثقافة الدينية الحقيقية سببًا آخر؛ فقد تراجع دور المؤسسات الدينية في التوعية بأهمية الكتاب، فلم يظهر في الخطاب الديني العام الحث على القراءة كواجب ديني وتنموي مستمر.
وثمة أسباب أخرى ينتبه إليها المؤلف من مثل المنافسة الشديدة لوسائل الإعلام والترفيه الرقمي التي تقدم مواد بصرية سريعة الاستهلاك وجاذبة تسحب بساط الاهتمام من القراءة المتأنية التي تحتاج وقتًا وصفاء ذهن، كما ينتقد العقلية المصابة بداء الكرة والاهتمامات الهامشية لدى الشباب؛ حيث تستهلك الأنشطة الرياضية والترفيهية غير الموجهة الجزء الأكبر من أوقات فراغ هؤلاء الفتيان.
وفي نوع ثالث من الأسباب تشكل حالة الإحباط واليأس المجتمعي عاملًا مهمًا يضعف دافعية التعلم والتحصيل الذاتي لدى الناشئة لاعتقادهم بعدم جدواها في تغيير واقعهم، كما أن الارتفاع المطرد في أسعار الكتب يمثل عائقًا أمام الطلاب والناشئة لاقتناء المطبوعات المفيدة.
ويشير المؤلف في تضاعيف الكتاب إلى الفارق الشاسع في الوعي القرائي بين المجتمعات العربية وغير العربية، والغربية تحديدًا؛ إذ نجحت المجتمعات المتقدمة في ابتكار وتطوير ”كتاب الجيب“ لضمان مرافقة عادة القراءة للإنسان في أوقات الانتظار والتنقل دون التعلل بحجم الكتاب وثقله، إلى درجة القراءة في الحمام خلال وقت قضاء الحاجة، في المقابل تقتل فئات واسعة في مجتمعاتنا أوقاتها في أمور هامشية أو مضرة، متذرعة بضيق الوقت، وهو ما يعتبره المؤلف حديثًا مفتعلًا وحجة واهية؛ إذ إن امتلاك الوعي والرغبة الصادقة كفيل بقنص الوقت وتخصيصه للمطالعة.
تعد المدرسة الحاضن الثاني الموجه الذي يؤدي دورًا موازيًا لدور الأسرة في تشكيل شخصية الطفل وتنمية مواهبه، وقد يتفوق عليها في كثير من الأحيان، وفي قلب هذا الحاضن، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق المكتبة المدرسية التي حدد الباحث أهدافها المحورية في خمس نقاط رئيسية: مساعدة الطلاب على استكمال متطلبات المنهج المدرسي، وتوفير مصادر المعلومات لتمكين الثقافة العامة وترسيخها، وتنمية حب المطالعة الخارجية، وإيجاد الوعي المكتبي، وتدريب الطلاب على استثمار أوقاتهم في النافع المفيد.
وإن تحديث المكتبات المدرسية وتطويرها بصورة عصرية وتحويل بيئة المكتبة لتكون مكانًا جذابًا ومريحًا، ومزودًا بالحواسب والتقنيات المعاصرة، وطرح برامج تحفيزية تربط بين القراءة وتطبيقات التكنولوجيا والكتابة الصحفية، من شأنه أن يكون دافعًا للقراءة.
وللانتقال بهذه الأهداف من الإطار النظري إلى حيز التطبيق الفعلي، يقدم الكتاب حزمة متكاملة من التوجيهات والإرشادات العملية، تهدف إلى تفعيل دور المدرسة والمكتبة المدرسية وعلاج عزوف الطلاب عن القراءة في البيئة المدرسية، فينادي بتأسيس نوادٍ للقراءة الحرة في كل مدرسة، وتخصيص جوائز وحوافز مادية ومعنوية قيمة للمشاركين والمتميزين، لتعامل معاملة الأنشطة والمباريات الرياضية التي تحظى بالدعم والجاذبية والاهتمام والإشهار والمتابعة.
كما يطرح تقليص الأعباء الإدارية والتدريسية عن المعلمين ليتمكنوا من ممارسة القراءة الحرة؛ ليكون المعلم القارئ القدوة الحية والمباشرة لطلابه داخل الصف وخارجه، كما يقترح توظيف متخصصين مؤهلين في القراءة والإرشاد من معلمين وأمناء مكتبات يمتلكون المهارات الكافية لتقديم الإرشاد القرائي والاتصال النفسي مع الطلاب والتعرف على حاجاتهم الفكرية والوجدانية، عدا ما يجب عليهم فعله من أنشطة محفزة للقراءة من خلال المسابقات الثقافية وإعداد برامج تثقيفية وأعمال كتابية كفيلة بأن تساعد الطلاب على القراءة.
ويلتفت المؤلف إلى تفعيل دور المكتبة المتنقلة، بحيث يتم تسيير مكتبات متنقلة داخل المحيط المدرسي والمجتمعي لتقريب الكتاب من الطلاب في أماكن تجمعهم وملاعبهم، ولجعل القراءة نشاطًا متصلًا خارج أوقات الدوام المدرسي فلا بد من فتح المكتبات المدرسية خلال الإجازات والعطل الرسمية، فيتم استثمار الإجازات في فتح المكتبات بالتعاون مع أولياء الأمور، ما يوطد الشراكة التربوية بين البيت والمدرسة ويسهم في دمج القراءة في النشاط العائلي اليومي.
لا شك في أن الحث على القراءة يبدأ في المدرسة من الغرفة الصفية، لا سيما ما يتعلق بأساليب التدريس، إذ تعد القصة من أهم الوسائل الجاذبة للناشئة والأطفال، ويمثل إقبال التلاميذ عليها مدخلًا إيجابيًا يؤسس للتكوين الفكري السليم ويسهل توصيل المعلومات والمفاهيم العلمية الواردة في المحتوى العلمي في المباحث الدراسية كافة.
هذه المقترحات العملية المرتبطة بالمدرسة والبيئة المحلية لا بد لها من شبكة ناظمة لها أكبر من هذا المحيط الضيق، ولذا يدعو الكاتب إلى تأسيس منظمة إقليمية مركزية تحت مظلة جهات كبرى، لتعزيز ثقافة القراءة ومتابعة خطط غرسها وقياس مستويات تقدمها في المدارس بصفة مستمرة ودورية.
وعلى الرغم مما في طروحات المؤلف من إنشائية عالية مادحة للقراءة ودورها، تجعله يقع في فخ الطوباويين الذين يرون أن لا حل لمشاكل الأمة إلا بالقراءة، ويحمل هذا النشاط الفردي أكثر مما يحتمل من معنى وأثر. هذه الفكرة التي فندتها في كتاب ”خارج المتون… داخل العقل“، فلا داعي لأن أكررها مرة أخرى.
هذا الانجرار وراء هذه الهالة العظيمة المدعاة للقراءة جعلته أيضًا يفسر كثيرًا من النصوص الحاثة على العلم بأنها حاثة على القراءة، فيجعل القراءة نظيرًا للعلم، وليست أداة واحدة من جملة أدوات - على الرغم من ذلك، فإنه لا شك كتاب مهم لا ينتهي وقته، ولا تنفد صلاحية قراءته والاستفادة منه وإن مر على نشره في طبعته الأولى أكثر من عشرين عامًا «2003»، ففيه كثير من الجوانب العملية الواقعية التي تدفع إلى ممارسة هذا النشاط في البيت والمدرسة والمؤسسات، بل ويجعله شبيهًا بكتاب دونالين ميلر ”الهامسون بالكتب: إحياء القارئ الكامن داخل كل طفل“ مع اختلاف بين الكتابين هدفًا وبناءً، إذ إنه لا يقدم تجربة خاصة متصلة في واقع القراءة في السياق المدرسي كما فعلت ميلر، علمًا أنه لا تصح الموازنة بين كتاب وآخر جاءا من تجربتين مختلفتين، إضافة إلى أن لكل كاتب فلسفة ورؤيا ينطلق منهما عندما يقرر أن يصدر كتابًا، وهذا أجمل ما في الكتب، بل إنه سر من أسرار الكتابة عمومًا.














