آخر تحديث: 20 / 5 / 2026م - 7:40 ص

حجابٌ في وجه الريح

الدكتور ماهر آل سيف *

في صباحٍ بارد من صباحات الغربة، دخلتْ ليان إلى قاعة الجامعة، تمشي هادئةً كأنها تحمل في قلبها مصباحًا لا تطفئه الريح. كان حجابها الأبيض ينسدل على كتفيها، لا كقطعة قماش، بل كراية كرامة، ووصية أم، وسجدة قلب.

ضحك بعضهم في آخر القاعة، وتناقلوا النظرات كأنهم وجدوا في سترها مادةً للسخرية. وكان المؤلم أن الأصوات لم تكن كلّها غريبة؛ ففيها مسلمٌ نسي مرآته، ومسيحيٌ نسي عذراءه.

وقفت ليان، لا غاضبةً ولا منكسرة، بل كمن توضأ بالحكمة قبل الكلام، بين صمت وقار ودرس يثار ويوقف التمادي، وقالت بصوتٍ رخيم:

”تقولون إنكم تؤمنون بحرية الرأي، وحرية اللباس، وحرية الاختيار، فلماذا تضيق هذه الحرية حين تصل إلى حجابي؟ أليست الحرية التي تتعدّى على كرامة غيرها قناعًا آخر للظلم؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء: 70]؟ فأين كرامتي من ضحككم؟“

ثم التفتت إلى زميلتها المسيحية وقالت برفق:

”أليست مريم العذراء، التي تملأ صورها كنائسكم وبيوتكم، تظهر في كل تمثالٍ وصورة وهي محجّبة؟ فلماذا يكون سترها قداسة، وستري غرابة؟ لماذا تقبلون الحجاب على الجدار، وترفضونه على إنسانةٍ تمشي أمامكم؟“

ثم نظرت إلى بعض المسلمين وقالت، والدمعة واقفة على باب العين:

”وأما أنتم، فكيف تسخرون من حجابٍ كانت تلبسه خديجةُ الطاهرة، وتسمو به فاطمةُ الزهراء، سيدةُ نساء العالمين؟ ألم يقل الله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [الحجرات: 11]؟“

ساد الصمت. لم تنتصر ليان عليهم بصوتٍ عالٍ، بل بوقارٍ عالٍ. جلست في مقعدها، وفتحت كتابها، كأنها تقول: قد يضحك الناس من الضوء أول الأمر، لكنهم في النهاية يهتدون به.

ومنذ ذلك اليوم، صار حجابها في الجامعة درسًا صامتًا؛ يمرّ به العابرون فيتعلّمون أن القوة ليست في كشف الجسد، بل في صيانة الروح، وأن الحرية ليست أن تفعل المرأة ما يصفّق له الآخرون، بل أن تختار ما يرضي ربها ويحفظ قدرها.

فيا بنات الحجاب: لا تجعلن ضحكة عابرة تهزم قناعة راسخة، ولا كلمة متنمّر تهزّ تاجًا وضعته التقوى على رؤوسكن. قفن بحجابكن كما تقف النخلة في وجه الريح؛ قد تتحرك أغصانها، لكنها لا تخلع جذورها. ليس كل ما يسمّى حرية يرفع المرأة؛ فبعض الحريات قيود ناعمة، تبدأ بشعار جميل، وتنتهي بتحويل المرأة إلى صورة معروضة، وجسدٍ مطلوب، وسلعةٍ يصفّق لها السوق.

كوني قوية؛ فالحجاب ليس ضعفًا ولا خوفًا ولا انغلاقًا، بل وعيٌ واختيارٌ وكرامة. ومن أراد أن يقيس قيمتك بثوبك، فقولي له بهدوء: أنا أكبر من نظرتك، وأكرم من سخريتك، وأثبت من ريحك. فقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 73]؛ وما كان لله بقي، وما كان للناس تبدّد كغبارٍ في آخر الطريق.