آخر تحديث: 19 / 5 / 2026م - 2:21 ص

قراءة في قصة ”الليدي كوين“ للكاتبة سوزان آل حمود

عبد الفتاح الدبيس

القصة بدأت في فصلها الأول من خلال أول نظرة إعجاب من الشاب «عادل» لـ «فتون»، المرأة الماكرة اللعوب التي أسرت قلب عادل بحركاتها الماجنة، وانتهى الإعجاب بالزواج منها بدون تروٍ. وفي أول تجمع أسبوعي للعائلة، وبتدبير محكم من فتون، تمت سرقة الطقم الذهبي لـ «مروة» والدة عادل؛ حيث دست قطعة منه في حقيبة «رغد» أخت عادل. وبعد اكتشاف فتون أن مروة تتعاطى المخدرات، قامت بتزويدها بها في عدة جلسات بغية التحكم فيها كيف تشاء لتحقيق أهدافها الشريرة. حينها يظهر «ياسين»، الأخ الأكبر لعادل، وأبدى امتعاضه الشديد وهو يشاهد حال والدته المرير، لذلك قامت فتون بوضعه ضمن قائمة ضحاياها.

وفي الفصل الثاني يكتشف ياسين زوجة أخيه فتون في وضع مخل بالشرف في غرفتها في الطابق العلوي مع «سليم»، الصديق المقرب لعادل، حيث هاجمه ياسين وطرده من المنزل. وقام بموقف نبيل تمثل في الستر على زوجة أخيه فتون، لكن فتون قابلت ذلك الإحسان بالإساءة، وقامت بإرسال رسائل مجهولة لزوجها عادل بقصد الوشاية السيئة بحق أخيه ياسين. ومن دون تثبت وتحقق في الأمر، يقوم عادل بضرب أخيه ضربًا مبرحًا وطرده وعائلته من المنزل، ومن هنا كانت بداية التفكك والتشرذم العائلي.

وتستمر الأحداث من خلال الفصل الثالث؛ حيث سرى الحقد والحسد في نفس فتون، فبدأت بتحريض عادل ضد أخيه ياسين. وبتخطيط محكم من سليم، وافق عادل أن يكون واجهة لعمليات تبييض الأموال والاتجار بالممنوعات، وهنا بدأت الملايين تتدفق على عادل، وعندها بدأت فتون لعبتها بإقناع عادل أن تبقى كل الأصول المالية بعيدة عن اسمه، حيث قام بتسجيل جميع الأراضي، والمزارع، والفلل السكنية، باسم فتون وبأسماء أخواتها. اتبعت فتون سياسة إطعام الأفواه من أجل إبعاد الأنظار عن الوضع المالي لعادل؛ حيث قامت بتوزيع أطقم الذهب والساعات الفاخرة على زوجات كبار الموظفين ورجال الحي.

أما في الفصل الرابع فقد تحولت الأموال إلى كابوس يطارد عادل؛ قوات الشرطة تداهم مقر شركته ويقاد إلى التحقيق أمام أعين الناس، لكن سرعان ما أخلي سبيله لنقص الأدلة! عاش عادل حالة من الرعب وبدأ يحول الملايين إلى رزم ويضعها داخل صفائح الزبالة في قبو الفلة وفي المزرعة. حولت فتون المزارع إلى أوكار محصنة لإدارة عمليات الابتزاز واستدراج الضحايا الجدد. مروة تبكي بحرقة وهي تنظر لابنها عادل يفرغ أكياس المال في صفائح الزبالة، وياسين يخاطب زوجته متحسرًا: أخي عادل خرج من سجن صغير إلى سجن أكبر، حيطانه من أكياس الزبالة.

أما في الفصل الخامس فإن فتون تجاوزت مرحلة الخيانة العادية إلى مرحلة الاستباحة الكاملة، حيث حولت غرف القصر والشركة إلى أماكن لاصطياد كل شاب. كان «قصي» أحدهم؛ حاولت إغواءه بالمال، والهدايا، وتهديده بلقمة عيشه. قامت فتون بنصب شباكها الفاجرة لاصطياد الشباب الذين يعملون في الشركة لإشباع غرائزها ونزواتها التي لا تنتهي، وذلك عن طريق سليم، الذي كان يسهل عليها كل ذلك.

وبعد التأكد من تسجيل كل الأموال والأصول باسمها وعائلتها، قامت بتسريب كل الوثائق التي تدين عادل. وحين عودة عادل من المسجد كعادته، خاطبته متهكمة: ”عادل، لم يعد لك في هذا البيت والأراضي والممتلكات ذرة واحدة“. هنا أدرك عادل بأنه لم يكن زوجًا، أو بطلًا، بل كان مجرد جسر عبرت فوقه فتون، المرأة الممتلئة قذارة.

ونقرأ في الفصل السادس من القصة بداية الحصاد المر لفتون؛ تجسد في طعنة الذئب سليم وهروبه وخطيبته للخارج! والمرض الذي أحاط بزينب أم فتون، والانهيار العصبي لمروة، وتدهور الحالة الصحية والنفسية لعادل بين جدران السجن حيث نهشه الندم. وفي المقابل برز نبل الفرسان في شخص ياسين وأخته رغد؛ حيث انعكست جبلة الفطرة السليمة التي تمثلت في صدق ووفاء الوجدان الصادق وصوت الضمير الحي، حيث قاما بلملمة الجراح، وتجسد ذلك في وقوفهما بجانب أخيهما عادل، وعودتهم جميعًا إلى حضن البر الصادق تجاه والدتهم مروة.

ومن خلال قراءة فصول القصة، يمكنني أن أشير إلى كون أمثال هذه القصص التي تعري ”الصمت الأسري والاجتماعي“، وتكشف جوانب واقع الحياة السلبية بهدف اجتثاث بؤر الاستباحة، والانحلال والفساد، والسموم، والإطاحة بالوجوه المزيفة، تعد صرخة ”استغاثة مجلجلة“ لإزالة سطوة العيب، أو الخوف، أو تجنب الفضائح من الكلام، مداراة للعادات والتقاليد. وهنا تتجلى مسؤولية الأديب ”الفاحص الأمين“ في تشخيص الواقع بدون زيف، أو مداهنة، أو مصانعة.

حذقت ”الحمود“ في توزيع أدوار قصتها، وتجلى ذلك في إسناد الأدوار الرئيسية لشخوص «فتون» و«عادل» و«سليم»؛ لأن هذه الأدوار تتطلب شخصيات تحمل عمقًا نفسيًا متناقضًا ومشاعرَ متقلبة، ولديها القدرة على أن تصبح شخصيات معقدة ومتطورة في آن واحد.

كما أن ”الحمود“ فوضت بنجاح «ياسين» و«قصي» للقيام بدور شخصيتين نمطيتين، ولكنهما قابلتان للنمو والتحول.

في مشاهد أعمالها القصصية، ”سوزان“ تميزت في دقة اختيار مفرداتها، وجزالة جملها، حيث: ”شباك العنكبوت“ الذي يعكس الهشاشة وضعف الحماية بهدف سهولة اصطياد الفرائس، و”نصب الفخاخ المحكمة“، و”مكر“ يراد منه طعن في الأمانة، وجلسات لهو وقمار وعقاقير أدت لاستسلام الضحايا. وهذا يعكس أسلوب ”الحمود“ العاطفي المؤثر في نفس القارئ.

أتقنت ”الحمود“ توظيف عنصر الصراع الداخلي والخارجي في مضمون قصتها، حيث تمكنت من رسم تسارع وتيرته ضمن مشاهد القصة.

الصراع الداخلي انعكس عندما حرضت فتون ”عادل“ ضد أخيه ”ياسين“ وزوجته، واستقرار أخواته الأربع، وهذا عكس أن ”فتون“ تعيش معركة نفسية وعقلية تدور داخلها، الأمر الذي جعلها تبدأ في الاستحواذ الكامل على أموال ”عادل“ وإجباره على شراء أراضٍ، وفلل سكنية، ومزارع شاسعة، وتسجيلها رسميًا باسمها وأسماء أخواتها.

في حين أن الصراع الخارجي انعكس ضد ”ياسين“ وعائلته بدافع الاستعلاء، والحقد والغيرة؛ حيث تمثل في شراء الصمت والولاءات، وإطعام الأفواه، وإقامة المآدب الفاخرة، وتوزيع أطقم ذهب وساعات غالية الثمن على زوجات كبار الموظفين ورجال الحي.

ويبلغ الصراع أقصاه في تقطيع وشائج الرحم والقربى، عندما نجحت ”فتون“ في إقناع ”عادل“ بقطع علاقته بأمه وأخواته من جهة، وبأخيه ”ياسين“ وأسرته تمامًا من جهة أخرى.

برعت القاصة المتميزة ”سوزان“ في صياغة ”جديلة حبكتها“؛ حيث تلقت ”فتون“ طعنة محكمة من عشيقها المزعوم ”سليم“ بمغادرته للخارج برفقة خطيبته! بعد أن قام بسرقة أموال ”عادل“، إضافة إلى تشرد ”الليدي كوين“ في الطرقات بثياب ممزقة وهي تهذي بكلمات لا تعرف، بعد أن فقدت كل شيء وأصبحت ”حكاية عبرة“ لمن لا يعتبر.

هذه الأحداث مثلت منطقية النتائج: أن قطيعة الأرحام، كيد السوء، والمكر، والخداع، والظلم بجميع أنواعه، حتمًا سيرتد ضرره في نهاية المطاف على صاحبه الذي خطط له، لأنه كما يقال ”الجزاء من جنس العمل“، قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43].

في المقابل وفقت ”الحمود“ عندما قادتها مخيلتها الواسعة لغرس «نخلة» جعلتها رمزًا طيبًا يمثل العمار، تنشر الظلال ويتدفق منها صنوف العطاء والنماء، كما أنها أعادت توجيه بوصلة قلوب الأبناء والأحفاد نحو حضن الأم، حيث أفياء البر المستدام.

وقبل الختام نقول إن قوة بيان ”سوزان“ البلاغية الأدبية انعكست في سطور خلاصتها الموجزة والمكثفة في آن؛ حيث شملت جملة من التناقضات: رمال ونار، خطيئة وفضيلة، يد تمسك سبحة وأخرى تتنازع كؤوس الإثم، وذلك تمهيدًا لسؤالها لتحفيز القارئ وشحذ فكره، فرسمت سؤالًا منطقيًا عقلانيًا في نهاية روايتها: ما هو الثمن الحقيقي «للنفس» حين تعرض في مزاد «إبليس»؟ لأن النفس هي مناط ”التكليف“ في أمور العقاب، لأنها تشتمل على العقل، والقلب، والقدرة على الاختيار بين الخير والشر.

وفي الختام، نبارك للكاتبة المتجددة هذا الإنجاز القصصي الرائع، ونتوسم منها المزيد من روائعها الأدبية المستفيضة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
زهره ام محمد المنيان
18 / 5 / 2026م - 7:08 م
شكرا للكاتبه المتألقه والمتجدده بطرح المواضيع لاخذ العظه والعبره من خلال طرح وجهين مختلفين بين الحق والباطل ونهاية كل منهمامتمنين لها بالتقدم المستمر ?