خط الدفاع الأول من أضلاع الصناعة
كتبتُ سابقًا موضوعًا عن (أهم أضلاع المثلث) التي تمثل قاعدة العلم والمعرفة بجميع فصولها وأشكالها. واليوم سأتحدث عن الضلع الثاني من المثلث (الصناعة) التي تشمل التوسع والابتكار الزراعي، وأنا شخصيًّا أؤمن بأنها العمود الفقري لجميع الصناعات والمجالات وفي الحياة العامة.
تُشكّل الزراعة، في جوهرها، أساس الحضارة الإنسانية؛ فهي لا تقتصر مسؤوليتها على توفير الغذاء فحسب، بل تمتد لتشمل استقرار الاقتصادات، والحفاظ على النظم البيئية، وصحة المجتمعات في جميع أنحاء العالم. كما تُسهم في استدامة سكان العالم، وتُحفّز الابتكار في مجالات الاستدامة والتكنولوجيا. وتلعب الزراعة دورًا بالغ الأهمية يفوق ما يدركه الكثيرون؛ ولذلك تزداد أهميتها باستمرار في عالمنا المُتغيّر.
في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بلغ عدد سكان العالم ثمانية مليارات نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى تسعة مليارات بحلول عام 2037. ودون الزراعة، سيصبح الأمن الغذائي مستحيلًا، وسيتفاقم الجوع العالمي بشكل كبير. ومع استمرار نمو سكان العالم، يزداد دور الزراعة أهميةً، مما يتطلب الابتكار والمرونة لضمان استمرار توفير الغذاء المغذي وبأسعار معقولة للجميع. لا تقتصر الزراعة على إطعام الناس فحسب، بل تربط المجتمعات عبر القارات. وعلى الرغم من أن الزراعة تنتج ما يكفي من الغذاء لإطعام سكان العالم، فإن التوزيع لا يزال يمثل تحديًا. ويتطلب ضمان وصول المنتجات الزراعية إلى الناس في المناطق التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي سلاسل إمداد فعالة، والحد من هدر الطعام، وسياسات تجارية عادلة. ولحسن الحظ، تُحرز الجهود العالمية في مجال الابتكار وإصلاح السياسات والمبادرات المجتمعية تقدمًا ملموسًا نحو عالم أكثر عدلًا وازدهارًا.
الغذاء: وهو الأكثر شيوعًا، ويشمل الحبوب والفواكه والخضراوات واللحوم ومنتجات الألبان والبيض، التي تملأ رفوف متاجر البقالة وموائد مطابخنا.
الوقود: لا تقتصر زراعة محاصيل مثل الذرة وقصب السكر على الغذاء فقط، بل تُزرع أيضًا لإنتاج الوقود الحيوي الذي يُستخدم في تشغيل كل شيء من السيارات إلى المصانع.
الألياف: يُزرع القطن والصوف لصناعة الملابس والمنسوجات وغيرها من المنتجات التي نستخدمها يوميًّا.
المواد الخام: توفر الزراعة أيضًا مجموعة متنوعة من المواد الخام المستخدمة في العمليات الصناعية، مثل المطاط المستخرج من أشجار المطاط، والزيوت المستخدمة في التصنيع، وغيرها.
تؤدي كل فئة من هذه الفئات دورًا حيويًّا في اقتصادات العالم، إذ تُؤثر على ما نأكله ونرتديه، وحتى على كيفية تزويد حياتنا بالطاقة.
ولتقريب الصورة عن أهمية هذه الصناعة الحساسة جدًّا، سأختم برائد الزراعة العالمية: يتبوأ التنين الصيني (أعجوبة القرن الحديث) مكانة مرموقة كأكبر منتج زراعي في العالم، إذ يُساهم بأعلى قيمة إنتاج زراعي عالميًّا، تتجاوز 1.65 تريليون دولار. وهذا ليس إنجازًا مبهرًا فحسب، بل هو هيمنة حقيقية. تُنتج الصين مجموعة واسعة من المحاصيل، تشمل الأرز والقمح والذرة وفول الصويا والخضراوات. ويُعد إنتاج الأرز وحده هائلًا، إذ يُغذي مليارات البشر محليًّا. وعلى الرغم من امتلاكها حوالي 7% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم، فإن الصين تُطعم أكثر من 20% من سكان العالم. إنه إنجاز مذهل في الكفاءة، تخيل دولة تستغل كل ذرة من أراضيها الزراعية. تُستخدم أراضي الصين بكثافة في الزراعة، حيث تُزرع المحاصيل ليس فقط في الحقول، بل أيضًا على طول أسوار المباني وحتى في المناطق الحضرية. وعلى الرغم من أن ما بين 10% و 15% فقط من أراضي الصين الشاسعة صالحة للزراعة، فإن البلاد حوّلت ما لديها إلى قوة إنتاجية هائلة. ولتوضيح ذلك، تُروى أكثر من 545 ألف كيلومتر مربع من الأراضي، أي ما يعادل مساحة فرنسا تقريبًا، وذلك لضمان الاستفادة القصوى من كل محصول. تتصدر الصين العالم في إنتاج الأرز، لكن ثروتها الزراعية لا تقتصر على ذلك؛ إذ تشمل المحاصيل الرئيسية أيضًا القمح والذرة وفول الصويا والذرة الرفيعة، مما يوفر نظامًا غذائيًّا متنوعًا ومرنًا يُطعم مليارات البشر في الداخل والخارج.
يكمن سر نجاح الصين في مزجها بين الزراعة التقليدية والابتكار الحديث. فقد استثمرت البلاد بكثافة في الري والأسمدة والتكنولوجيا الزراعية. وبفضل امتلاكها واحدة من أكبر القوى العاملة الزراعية في العالم، تحافظ الصين على مستويات إنتاجية عالية.
بالترتيب العالمي، الإنتاج الزراعي (بالدولار الأمريكي) للمنتجات الرئيسية:
1. الصين: 1.65 تريليون دولار (الأرز، القمح، الخضراوات)
2. الهند: 524 مليار دولار (الأرز، القمح، قصب السكر)
3. الولايات المتحدة الأمريكية: 474 مليار دولار (الذرة، فول الصويا، القمح)
4. البرازيل: 219 مليار دولار (فول الصويا، لحم البقر، قصب السكر)
5. روسيا: 118 مليار دولار (القمح، الشعير)
فإذا أمعنا النظر قليلًا وبشكل سريع، نلاحظ أن التنين الصيني (أعجوبة القرن الحديث) تربع على عرش العالم بوقت قياسي، مرتكزًا ومبتدئًا بصناعة الزراعة، وعلى الرغم من توسعه الهائل بجميع أضلاع المثلث والقفز إلى نجاحات ساحقة تفوق الخيال في كثير من المجالات، فإنه لا يزال يحتفظ بصدارة خط الدفاع الأول من أضلاع الصناعة.













