آخر تحديث: 17 / 5 / 2026م - 11:01 م

عمرهُ 23 عاماً: الجدار الجمركي الخليج بحاجة إلى ترميم أو إعادة بناء

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

كشفت الحرب أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تمتلك موقعاً ينبغي أن تستغله لتعزيز مسيرتها الاقتصادية نحو التنوع الاقتصادي وتوليد فرص عمل قيمة لأبنائها ولجلب استثمارات لشركات عالمية تسعى لتعزيز تنافسيتها. وسمعنا في تتبع هذه الحرب عبارة ”سلاسل الإمداد“ أكثر مما سمعنا عبارة ”مسيرات“، والسبب أن أحد المحاور المهددة لاستقرار الاقتصاد العالمي كان تعطل مضيق هرمز الذي نتج عنه تقطع سلاسل الإمداد وتعثر التجارة.

وتبين ان أمن الطاقة والتجارة الخليجية يعتمد تاريخياً على مضيق هرمز، مما يخلق نقطة اختناق استراتيجية (Chokepoint) ترفع من علاوة المخاطر. ماذا يعني هذا؟ يعني أن استمرارية تدفق الصادرات (النفطية وغير النفطية) واستقبال الواردات بأمان، يستوجب العمل على إعادة توجيه ثقل الحركة التجارية نحو السواحل المفتوحة عبر:

1- توجيه الاستثمارات الخليجية المشتركة لتوسعة ورفع كفاءة الموانئ المطلة على بحر العرب وخليج عُمان (مثل الدقم، صلالة، صحار، والفجيرة)، لتكون بوابات رئيسية متصلة مباشرة بالمحيط الهندي.

2- استكمال شبكة السكك الحديدية التي تربط موانئ الخليج العربي (الدمام والجبيل) بموانئ البحر الأحمر (جدة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية)، مما يخلق شرياناً برياً يتيح تجاوز مضيقي هرمز وباب المندب معاً، ويسهل الوصول للأسواق الأوروبية والأفريقية.

3- الاستثمار في خطوط أنابيب استراتيجية لضخ النفط والغاز نحو محطات التصدير على البحر الأحمر وبحر العرب، إطلاق جهد منسق لاستقطاب سلاسل الامداد العالمية وللمستثمرين وتقديم عناصر هذا التحول اللوجستي بإعتباره حزمة من فرص الاستثمار العالمية المجدية.

هذه المشاريع ضرورية لكنها غير كافية؛ فلتحقيق الكفاءة التشغيلية، ينبغي ربط البنية التحتية لدول المجلس بشبكة داخلية متطورة ودمجها في الممرات الجيو - اقتصادية، وهي تحديداً جملة مشاريع ومبادرات سبق أن أعلن عن بعضها، مثل شبكة قطارات مجلس التعاون (GCC Railway, التي تمثل عند اكتمالها العمود الفقري للتحول اللوجستي؛ حيث ستخفض تكاليف النقل البري، وتقلل البصمة الكربونية، وتضمن التدفق السلس للبضائع من الكويت شمالاً وحتى عُمان جنوباً. وكذلك السكة ضرورية لكنها غير كافية لإحداث النقلة المطلوبة واستغلال الفرصة المتاحة، إذ لابد من إعادة تموضع المنظومة الخليجية كنقطة ارتكاز في الممرات الصاعدة، مثل ”الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)“ وتعديل مسارها إن تطلب الأمر حرصاً لتمر في جغرافيا عربية مستقرة، ولتعمل المنظومة اللوجستية الخليجية كمحطات تفريغ بحري وتحميل سككي، والسعي إلى التكامل كذلك مع ”مبادرة الحزام والطريق (BRI)“ لتكون المنطقة محور توزيع وإعادة تصدير وتصنيع عالمية تربط بين آسيا وأوربا وأفريقيا، انسجاما وتجسيداً لتوظيف الموقع الجغرافي الاستراتيجي.

الآثار الاقتصادية وخلق الوظائف لهذا المحور اللوجستي الخليجي العالمي بادية، وهي تستحق بذل جهد حقيقي وتجاوز أي تصدع في الجدار الخليجي، وفيه مبادرة أشبه ما تكون بالقفز بـ ”الزانة“ فوق إنجاز توقفت - حتى لا أقول تعطلت - عنده العجلة طويلاً وهو ”الجدار الجمركي“ (انطلق فعلياً في العام) 2003، لكنها مبادرةٌ لها متطلبات تتطلب صرامةً وانفاقاً؛ فلضمان فعالية هذه المنظومة اللوجستية الخليجية الطموحة، لابد من تحديث التشريعات الخليجية ذات الصلة لتواكب التعقيد التشغيلي والتقني والأمن بما في ذلك الامن السيبراني العابر للحدود، وذلك بإحكام الحُوكمة لضبط إيقاع التنفيذ وللتوجيه الاستراتيجي، وبتوسيع صلاحيات لجان النقل والجمارك الحالية لتصبح ”الهيئة الخليجية العليا للوجستيات“، تملك صلاحيات تنظيمية لإدارة حركة القطارات، توحيد معايير الممرات اللوجستية، والتخطيط المكاني لمنع تكرار البنى التحتية، وتشرف على الاتحاد الجمركي ليكون رقمياً وداعماً لتسير التجارة الدولية بسلاسة عبر إنشاء منصة موحدة متقدمة تقنياً ومتحولة رقمياً للتتبع والتخليص الجمركي اللحظي، ويشرف كذلك على مركز تحكيم لوجستي بيت كذلك لحظياً في المنازعات التشغيلية والتجارية العابرة للحدود بمعايير دولية، مما يعزز ثقة المستثمرين والشركات متعددة الجنسيات. ولا يتوقف الأمر عند اللوجستيات والنقل، بل يتعداه للصناعة والتصنيع فهو طموح دول مجلس التعاون باعتباره الخيار الاستراتيجي لتحقيق التنويع الصلد على أرض قوية، لكن لذلك حديث آخر.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى