آخر تحديث: 17 / 5 / 2026م - 11:01 م

الكتابة ليست ترفيه

نجمة آل درويش‎ *

مؤخرًا، قرأتُ نصوصًا قديمة كتبتُها…

وبحياد سألتُ نفسي: هل هذه أنا التي كتبت؟

منذ مدةٍ توقفتُ عن كتابة المقالات.

انشغلتُ بتحدٍّ في منصةٍ للكتابة؛ مئة يوم من المحاولة والاستمرار…

وها أنا، في هدوء الليلة، أقرأ نصوصًا قديمة نشرتها من قبل، وأعود لأكتب عن الكتابة نفسها، وعن أثرها في فهم الذات وإعادة ترتيب الأفكار الداخلية.

عندما رأيتُ دهشتي وأنا أقرأ نصوصًا كتبتها «أنايَ» القديمة،

اعترفتُ بأهمية الكتابة للشخص نفسه الذي يكتب.

فالذي يكتب يعرف كيف كان يفكر قبل سنوات، ويرى مواطن جماله وقوة جرأته، ويدرك ثوراته وانفعالاته، ويكتشف أنه ما زال يخطئ، ويراجع بعض ما كان مقتنعًا به، وربما تتغير قراراته كما تتغير أفكاره ومشاعره مع الوقت والتجربة والخبرة.

يفهم أنه نُسخٌ تتجدد، وأن الكتابة تساعده على فهم نفسه أكثر، وتمنحه مساحة لمراجعة الداخل بهدوء. يبدأ بحلحلة التعصّب داخله تجاه الأشياء، ويدرك أن تغيّر رأيه لا يمثّل عيبًا، بل شجاعة إنسان يعرف أن أولوية الإنسان الأولى هي راحته النفسية.

ومن الأقوال الجميلة جدًا المنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب :

«أكرموا أولادكم بالكتابة، فإن الكتابة من أهم الأمور وأعظم السرور».

فالراحة ليست في أن يكون الأفضل، أو أن يرى رأيه وحده الصواب دائمًا، بل في أن يكون صادقًا مع نفسه.

ولا يرى إهانةً في أن يعتذر أو يفحص نفسه، ويعترف بخطأ داخلي. ليس بالضرورة أن نُعلن أخطاءنا، لكن المؤلم أن يوجد من لا يعترف بها حتى لنفسه، فيُراكم التعب داخله دون أن يشعر، ويعيش بثقل داخلي طويل.

أنا لا أسير في طريق المثالية، بل أحاول أن أفهم نفسي عبر مراجعة الكتابة السابقة، وإعادة قراءة ما كنت أظنه ثابتًا أو مُسلَّمًا به.

كأن لكل إنسان كتابًا يسجّل فيه كل شيء: مشاعره، قراراته، ما يفرحه، وما يغضبه، وما يهدّئه، وما يثير داخله القلق أو الطمأنينة أو الحنين.

كل يوم يكتب في هذا الكتاب، والعاقل هو من يراجعه ويعدّله، ويعيد فهم نفسه حتى يتم كتابه وهو في أفضل ما يمكن أن يكون.

وقفة مع كافكا:

فرانز كافكا كان يعيش حياة مليئة بالقلق والاغتراب.

الكتابة بالنسبة له كانت طريقة لفهم العالم المربك حوله.

وأخيرًا، من المثير التوقف لتأمل هذه العبارة لكافكا:

«الكتابة شكلٌ من أشكال الصلاة!».