آخر تحديث: 16 / 5 / 2026م - 11:59 م

الصحافة لم تتغير.. لكنها أعادت تعريف الكفاءة

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

لم تتغير الصحافة في جوهرها بقدر ما تغيّرت بيئة التشغيل، وأدوات الإنتاج، ومعايير قياس الأثر.

في السابق، كانت الكفاءة الصحفية تُقاس بعمق المعلومة، وجودة المصادر، والقدرة على بناء مادة تحريرية رصينة تحترم عقل القارئ وتؤثر فيه. وكانت المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل أساسي على الخبرة التحريرية، والقدرة على الصياغة، وصناعة المحتوى المهني طويل العمر.

أما اليوم، فما زالت هذه الأسس مهمة، لكنها لم تعد كافية وحدها.

فالتحول الرقمي نقل الإعلام من كونه «منتج محتوى» إلى «نظام تدفّق محتوى» يتأثر بالخوارزميات، وسلوك المستخدم، ومؤشرات الأداء الرقمية مثل معدلات الوصول والتفاعل والاحتفاظ بالمتابعين. وهنا تغيّرت قواعد اللعبة بالكامل.

لم يعد السؤال الأهم:

«ماذا تقول؟»

بل أصبح:

”كيف تصل؟ ولمن؟ ومتى؟ وبأي صيغة؟“

هذه التحولات لم تكن مفاجئة لمن قرأ المشهد مبكرًا. حتى الأعمال السينمائية الغربية التقطت هذا التحول بصورة رمزية، كما ظهر بشكل غير مباشر في فيلم -The Devil Wears Prada-، حين عكس كيف يمكن للبيئات الإعلامية أن تعيد تشكيل هياكلها لصالح من يفهم أدوات العصر، وليس فقط من يمتلك الخبرة التقليدية.

لكن الواقع لا يُقصي «القديم» بقدر ما يعيد تعريفه.

فالخبرة المهنية الحقيقية لا تنتهي، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم بما يتناسب مع البيئة الجديدة. ومن هنا، أصبحت الكفاءة الإعلامية الحديثة قائمة على مزيج بين «العقلية الصحفية الأصيلة» و»المرونة الرقمية».

فالصحفي اليوم يحتاج إلى فهم منطق المنصات والخوارزميات، وكيف يُدفع المحتوى ولماذا ينتشر. ويحتاج إلى القدرة على إعادة تدوير المحتوى وتحويله من مقال إلى فيديو، أو سلسلة منشورات، أو مادة بصرية مختصرة. كما أصبح التحليل الرقمي وقراءة البيانات جزءًا من عملية اتخاذ القرار الإعلامي، بدلًا من الاعتماد على الحدس وحده.

كذلك تغيّرت طبيعة الكتابة نفسها؛ فلم تعد صيغة واحدة تكفي. هناك كتابة مختصرة، وبصرية، وتفاعلية، وسريعة الالتقاط. وأصبح ”الحضور الشخصي“ جزءًا من التأثير؛ فالصحفي أو الكاتب لم يعد خلف النص فقط، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من الرسالة نفسها.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو ليس نهاية المهنة كما يُصوَّر أحيانًا، بل أداة إنتاج وتسريع ورفع كفاءة، بشرط أن يبقى العقل البشري هو من يقود الاتجاه، ويضبط المعنى، ويفهم السياق.

وفي البيئات المؤسسية تحديدًا، تظهر أهمية الحس المهني والحوكمي؛ لأن التأثير لا يتحقق فقط بعلو الصوت، بل بالقدرة على إيصال الرسالة بذكاء، وتحقيق الأثر دون صدام غير محسوب.

الصحافة إذن لم تُسحب من أهلها، لكنها أيضًا لم تعد تنتظر المتأخرين عن التطور.

ومن يفهم أصول المهنة، ويطوّر أدواته باستمرار، يستطيع أن يعيد تعريف نفسه داخل المشهد الجديد بل ويتفوّق فيه. أما من يتمسك بالشكل القديم وحده، فالمتلقي اليوم لا يجامل أحدًا، والسوق الإعلامي لا يكافئ إلا القادر على التكيّف دون أن يفقد جوهره.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي