آخر تحديث: 16 / 5 / 2026م - 11:31 م

مصر.. ناس ومشاعر

المهندس أمير الصالح *

مقدمة

عند سماع أسماء لأماكن ودول معينة، تعتلي النفوس مشاعر مختلطة تنبعث وتعبر في صفحات الوجوه عن مكامن تجارب ذاتية، أو إصغاء لإعلام محدد الوجهة مسبقًا، أو أدلجة معينة، أو انطباعات متناقلة عبر الأجيال، أو موروث فكري. إلا أن تدوين وتسجيل الانطباع الذاتي بناء على تجارب موضوعية حتما يراكم الدوافع للتمحيص والتنقيب، ويتجاوز التعميم واتباع المشهور من الأقوال؛ ليستجلي حقائق الأمور.

حوار

الحب والاحترام والتقدير ما زال من ناحيتي قائمًا لمواطني دولة حضنت وما زالت تحتضن الكثير من العلماء الأفذاذ والأطباء الكبار والمهندسين العباقرة والجهابذة من أهل الشعر والأدب والفنون واللغات والفكر والوعي والإدارة.

قد لا أكون كاتبًا أو قارئًا أو محللًا محترفًا، ولكن أقر وأعترف بأن للكثير من الكتاب العرب والأجانب وعلى رأسهم الكتاب والعلماء المصريون، فضلًا في نقل المعرفة وترجمة العلوم وزيادة مستوى الوعي وتبيان مقاصد المعلومات وزيادة مساحة النقد الفكري وتدوين التجارب واستنطاق الأفكار.

ما زالت دروس التفسير للشيخ المرحوم محمد الشعراوي وكتابات عبد الرحمن الشرقاوي وطه حسين ورواية نيران صديقة وفيلم عمارة يعقوبيان ومسرح الزعيم حيث أداء الفنان عادل إمام المميز والمسرح الجاد حيث نداءات الفنان محمد صبحي والطرب الأصيل حيث غناء أم كلثوم وصوت الفنان محمد عبد الوهاب والعندليب عبد الحليم حافظ وسماع تلاوة عبد الباسط والمنشاوي والحصري وشعر أحمد شوقي ورمزية ميدان التحرير وروحانية مسجد الإمام الحسين بحي الحسين ورواد منطقة السيدة زينب وشوارع أحياء المهندسين والزمالك والدقي وشعبية سكان العتبة وإمبابة وعشوائيات أحياء كرداسة والمريوطية؛ تمر في مخيلتي صور لا حصر لها لأصناف متعددة من البشر نمطًا ولونًا وتعابير وذكاء وفهلوة وسذاجة. مصر نموذج لاجتماع الأضداد البشرية مثل المؤمن والملحد، الشريف والمجاهر بالمعصية، الزين والشين، الوفي والغدار، المتعفف والفاسق، الطيب والخبيث، النظيف والمرتشي؛ ويبقى المعيار الأمضى الذي أستخدمه هو ”حسن المعاملة“، وليس الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي أو القومي.

مد وجزر في المودة

أنتم كما أنا، اختلج ويختلج في قلبي مد وجزر من موجات شعور المودة في العلاقة مع بعض التيارات والمكونات الاجتماعية المصرية بناء على تعاملات ومعاملات وأحداث وتغريدات ومناكفات صدرت من بعض المصريين في حق وطني بين مادح وذام ومتجاهل ومتهكم ومحب ومبغض. إلا أن الأصل في المودة والاحترام لإنسان مصر الزاخر بأهل العلم والأدب والإبداع والفن ما زالت ولن تزال قائمة على أساس معاملة الإنسان للإنسان.

النفس تهوى من أحسن إليها

كانت البداية لمودتي لمدينة القاهرة حيث كانت زيارتي الأولى لها زيارة عابرة في إجازة قصيرة قبل ما يقارب أربعين سنة وبشكل خاطف غير مخطط له بعمق، مع صديق هادئ ومهذب وخلوق «عصام الجاسم»، إلا أن نكهة وجمال وعفوية وحسن تعامل من التقينا بهم من الشعب المصري أوجدت في نفسي مشاعر طيبة وغريبة ومختلطة في ذات الوقت. فالبعض منهم أوحى لي أنه ساذج، والآخر عزز فكرة بأنه شخص نصاب، والآخر شريف مؤمن، والآخر قليل أدب وهكذا دواليك. إلا أن المحصلة كانت ترجح أن الأغلب من الناس هم الطيبون والرؤوفون، وإن كانت الظروف والأحوال المعيشية قاسية عليهم. وبعد عدة زيارات واكتشاف جوانب الأدب والإنتاج الفكري والمشهد الأيديولوجي والصراع الطبقي وبارونات المال والأعمال وزيارة عدد من دور النشر والطباعة في ميدان طلعت حرب، أوغل حب تلكم البقعة من الأرض قلبي.

وفي كل زيارة للمدينة الصاخبة التي لا تعرف النوم حيث عاصمة أرض الكنانة، القاهرة، أجدد طرح جدال داخل نفسي من عدة اتجاهات؛ إحداها: ما الحلول التي طرحت لمعالجة زيادة مساحة المهمشين في الشارع ومعضلة تناثر أجساد أطفال الشوارع الحفاة على بعض أرصفة القاهرة؟ حتمًا هكذا مشاهد مزقت وتمزق قلب كل زائر لتلكم المدينة المترامية الأطراف.

الرغي «الكلام» الكثير

بالنادر أن تدخل قطارًا أو مترو أو باصًا أو أي مواصلات عامة أو تجمع في ميدان/حديقة أو مقهى أو قاعة ولا تجد رغيًا بين المصري وزميله، أو أنه يرغي بالهاتف المتنقل بصوت مسموع ومزعج للآخرين. ظاهرة تجاهل بعض المتحدثين في الأماكن العامة لا سيما بعض الأعزاء المصريين للآخرين عندما يتحدثون بالهاتف الجوال أمر لافت للنظر. والملاحظ أن من يتكلمون بالهاتف يكادون أن يشاركوا الجالسين بالقرب منهم وعلى بعد بضعة أمتار منهم بكل تفاصيل المحادثة دون أي شعور منهم!!

الكرم

قد ينصدم بعض أبناء الخليج إن قلت لهم بأن بسطاء المصريين كرماء والبعض من المصريين كرماء جدًا. إلا أن معايير الكرم تمر بخيط رفيع لفصلها عن السفاهة في البذل. وعليه أنصح أي شخص أخذ انطباعًا بأن عموم المصريين بخلاء بأن يعيد دراسة من يجالسهم من زملائه المصريين لأنه قد يكون محاطًا فعليًا بأشخاص انتهازيين أو شحيحي العطاء؛ وعليه أطالبه أن يعيد خارطة العلاقة بمن يحيط نفسه بهم. كما أني أنصح أي شخص أخذ انطباعًا بأن عموم الخليجيين سفهاء بأن يعيد دراسة من يجالسهم من زملائه الخليجيين لأنه قد يكون محاطًا فعليًا بأشخاص عاطفيين أو محبي التظاهر.

نعم هناك بعض من الناس سفهاء كما في أي مجتمع؛ وهناك أيضًا نصابون كما في أي مجتمع، إلا أنه من الإجحاف التعميم. وعلى الباحث بشكل موضوعي أن يضع معايير مثل الدخل المالي «اقتصاد البلاد» والتوزيع العادل للثروة بين أفراد كل مجتمع في المعيار.

قمت بعدة تجارب اجتماعية في عدة مجتمعات بالداخل والخارج ومنها إطلاق مبادرة توزيع وجبات طعام للفقراء في بعض المناطق الخارجية وإطلاق مبادرات تكريم كوادر في بعض المناطق المحلية. في المبادرات الخارجية سجلت، في إحدى تلكم التجارب الاجتماعية، مشاركة صاحب بوفيه أو صاحب مطعم متوسط الحال بجزء من تكاليف الصدقة وتوزيعات الطعام بما يعادل النصف مشاركة منه بالأجر!! بينما سجلت في تجارب مبادرات التكريم الداخلية ما هو مقارب للإحباط أو التبرم من عدم حظوة البعض بما يتمنون!!

أرض حضارات

لا نقاش بأن أرض مصر أرض حضارات وتاريخ تليد وإنسان مميز، إلا أن الملاحظ هو انحدار مستوى الحوار بالشارع وهبوط حاد في بعض جنبات الخطاب الإعلامي من قبل البعض؛ وكذلك نشعر بوجود الاستقطابات لا سيما عند إجراء نقاش. وقد يلاحظ البعض أن منسوب الاحتقان في بعض المجتمعات هناك آخذ بالازدياد لعدة أسباب لسنا بصدد طرحها. مصر عول ويعول عليها لكونها الوزن البشري الأكثر فعاليةً والأكثر وزنًا، ويشكل تعداد سكانها ما يقارب ثلث العرب.

مقالات تترى

كتبت وأنا ممتن لله أني أستطيع أن أبوح ببعض ما يخالج قلبي نحو الأوفياء من أبناء الأوطان الطيبة التي زرتها. فكانوا أهل مصر الطيبين، وأهل العراق الكرماء، وأهل وطني الأوفياء، وأهل كندا اللطفاء، وأهل اليابان المتأنقين، وأهل هولندا البشوشين، وأهل البحرين البسطاء وغيرهم.

واجبات يجب أن تؤدى

ليس بالكلام الفضفاض تُنال المُكرمات ولكن بأداء الواجبات وإنجاز المهمات يتم بلوغ المكرمات. هناك عبء كبير نهض وينهض به بعض المصريين الأوفياء، وهو تصحيح النظرة العامة لدى السياح والزوار والعالم الخارجي عن صورة أبناء بلدهم. وقد لمست عن قرب وبعدد ليس بالقليل ممن أتيحت لي الفرصة التحدث والتعامل معهم بالسعي الجاد لخلق أجواء أكثر إيجابيةً وممارسات أكثر صدقًا وتحضرًا وتجذير ثقافة حفظ النظافة في الأماكن العامة والأمانة والصدق في التعامل. فإن كنت مصريًا محبًا لوطنه فأبرز أفضل ما فيك، وإن كنت سائحًا أو زائرًا فكن موضوعيًا في إعطاء انطباعاتك.

الهوية العربية في زمن التيك توك

في زمن «السوشيال ميديا»، تتشكل رؤى وانطباعات لدى شعوب من العالم نحو شعوب أخرى بناء على ما يتم ترويجه في برامج التواصل الاجتماعي. ومع حسن أو شديد الأسف أضحى كل من هب ودب يعمل مقاطع فيديو ذات محتوى صاعد وهابط. إلا أن المحتوى الرقمي الهابط حيث قلة الأدب والردح هما الأكثر انتشارًا في العالم الرقمي، وعليه أخذ المزيد من الناس حول العالم ينمطون انطباعاتهم بناء على محتوى رقمي موجه لإسقاط أو تزييف أو تمييع صورة أمم وبلدان معينة وتفخيم وتضخيم أمم وبلدان أخرى. وكان نصيب بعض الأمم ومنها العربية في المحتوى الإعلامي الرقمي هو التشنيع والتجريح والامتهان والاتهام بالعنف. وعليه نهتف في آذان النبلاء وأصحاب العزم بالمزيد من الإنتاج المحترف للمحتوى الرقمي الهادف والسامي والنبيل.