آخر تحديث: 15 / 5 / 2026م - 1:37 م

ليست كل النساء خُلقن لسباق الحياة... بعضهن خُلقن لصناعة الحياة نفسها

رحاب القضاة *

قرأتُ مقالًا بعنوان ”لو عادت المرأةُ إلى البيت… هل يعود البيتُ بيتًا؟“ يتحدث عن المرأة، وعن البيت وعن تلك المسافة المؤلمة التي اتّسعت بين الأم وأبنائها حتى أصبح اللقاء بينهم يُقاس بالساعات لا بالعمر وشعرتُ فجأة أن العالم كلّه يربح المال ويخسر قلبه.

لسنا ضد أن تعمل المرأة فالإسلام يوم كرّمها لم يحبس عقلها ولم يطفئ نورها ولم يمنعها أن تكون طبيبةً أو معلمةً أو عالمةً أو ناجحةً في ميادين الحياة لكنه — قبل كل شيء — جعل لها مقامًا لا يشبه أي مقام، مقام الرحمة التي يُبنى بها الإنسان.

يكفي أن الله لم يجعل الجنّة تحت أقدام الملوك ولا تحت أقدام الأقوياء بل تحت أقدام أمٍّ ربما كانت متعبة ساهرة تبكي بصمت وتخفي انكسارها كي لا ينكسر بيتها.

﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا
تأملوا الآية جيدًا…
الله لم يربط الرحمة بالمال ولا بالمناصب بل بالتربية بذلك التعب الخفيّ الذي لا يراه أحد.
بأمٍّ كانت تنام ويدها على صدر طفلها خوفًا عليه، وتستيقظ مذعورةً من أي سعالٍ صغير كأن قلبها خُلق خارجه لا داخلها.

والموجع… أن هذا الزمن جعل بعض النساء يشعرن بالخجل إذا قلن إنهنّ يُحببن البيت.

كأن الأمومة أصبحت شيئًا أقل قيمة وكأن احتضان طفلٍ يرتجف خوفًا في الليل لا يُعدّ إنجازًا بينما الوقوف ساعات طويلة خلف المكاتب يُسمّى نجاحًا عظيمًا.

أيُّ نجاحٍ هذا…
حين يكبر الطفل وهو يحفظ صوت الخادمة أكثر من صوت أمّه؟
حين تصبح صور الأم في الهاتف أكثر من حضورها في ذاكرته؟
حين يعود الابن حزينًا فلا يجد الحضن الذي يُطفئ العالم داخله؟

لقد أصبحنا نعيش زمنًا مرعبًا…
البيوت فيه أكبر لكن الدفء أقل.
الموائد أفخم لكن القلوب أبرد.
والأطفال يملكون كل شيء إلا الطمأنينة.

إن الطفل لا يتذكّر بعد عشرين عامًا كم لعبةً اشتريتِ له لكنه يتذكّر جيدًا:
من كان يجلس قربه حين خاف ومن كان يمسح دموعه ومن كان يدعو له وهو نائم.
لهذا كانت الأم أعظم مخلوقٍ على هذه الأرض لأنها تمنح أبناءها عمرها قطعةً قطعة دون أن تطلب شيئًا.

تشيخ وهي تحاول أن يبقوا بخير وتتعب وهي تدعو ألا يمسّهم وجع وتبتسم بينما قلبها مليء بالخوف عليهم.

إن المرأة ليست مجرّد موظفة في هذا العالم…
المرأة وطن.
وبيتٌ بلا أمٍّ حاضرة يشبه مدينةً انطفأت أنوارها فجأة.

وحين تعود المرأة إلى بيتها حبًا لا قهرًا واختيارًا لا إلغاءً فهي لا تعود إلى ”الظل“ كما يصوّر البعض بل تعود إلى أعظم رسالة خلقها الله لها رسالة أن تصنع إنسانًا سويًا في زمنٍ يزداد قسوةً كل يوم.

قد تبني امرأةٌ شركةً عظيمة وهذا أمرٌ مشرّف لكن امرأةً تبني روح طفلٍ من الانكسار تبني أمّة كاملة دون أن يشعر بها أحد.

وفي النهاية: الأوطان لا تسقط حين تقلّ الوظائف بل حين يقلّ الحنان.
والأطفال لا يموتون دائمًا من الجوع بل أحيانًا من غياب أمٍّ كانت كفيلة أن تجعل هذا العالم أقلّ قسوة

سلامٌ على النساء اللواتي يُخفين تعبهنّ خلف كلمة ”أنا بخير“
وعلى الأمهات اللواتي يذبلن بصمت كي لا يذبل أبناؤها
وعلى كل امرأةٍ جعلت من قلبها بيتًا للجميع بينما لم تجد من يسألها يومًا:
”ومن يُطمئن قلبك أنتِ؟“

مساعد مدير التحرير وكالة ديرتنا الإخبارية - الأردن