آخر تحديث: 14 / 5 / 2026م - 1:09 م

سعاد وعالم التوحد «قصة»

حسن علي عرقان

ما بين ضجيج الحياة الذي يُرهقني، وصعوبة الانخراط والتعايش مع الآخرين من حولي، أراهم بشتى الوسائل عاجزين عن لفت انتباهي، وعن أن أكون معهم في كل شيء، في الكلام، واللعب، والدراسة، وتبادل الأفكار والمشاعر، لكن ذلك لم يكن مجديًا معهم جميعًا.

كثرة الأصوات تزعجني، وشدة الأضواء تقلقني، وأخشى الازدحام في كل مكان.

أشعر بالراحة حين أكون وحدي ألعب بلعبتي المفضلة التي أحبها كثيرًا، ولا أريد غيرها مهما كانت الألعاب الأخرى جميلة وذات قيمة كبيرة.

ومن خلال الأنين والطنين أُعبّر عن خوفي وحزني الدائم الذي لا ينتهي.

لا أعرف أحدًا، ولا يهمني أن أعرف.

لا صديق لي سوى وحدتي، أعيش وكأنني داخل قوقعة فولاذية لا أستطيع الخروج منها، وكأنني في سجن أبدي.

أمي… سامحيني إن كنتُ قد خذلتكِ في حياتي، ولم أعش معكِ كما تمنيتِ، مثل بقية الأمهات وأطفالهن… ولكن هكذا هو حالي، وُلدتُ وولدتْ علّتي معي.

تحاول أمي جاهدة أن أكون سعيدة، وتلبي كل احتياجاتي المادية والعاطفية. دائمًا أظهر بمظهر جميل، بملابس متناسقة وتسريحة شعر منسدلة على كتفيّ.

اقترب موعد مهم طالما انتظرته أمي، موعد التحاقي بالمدرسة، حيث ملتقى الفتيات في فصول الدراسة، وبداية سباق التعليم والانخراط مع الطالبات.

لكن كان هناك هاجس واحد يقلق أمي كثيرًا: هل سأكون مندمجة معهن؟ ماذا لو سخرن من حالتي؟

حملتُ حقيبتي المدرسية، وسرتُ مع أمي وهي ممسكة بيدي، حيث أشعر بدفء الحياة، متوجهتين إلى المدرسة.

كانت نظرات أمي تتفقدني باستمرار، أما أنا فكان نظري معلقًا بالطريق الذي نسير فيه بخطوات مختلفة، بعدما كنت أسير على أطراف أصابعي مترنحة، وكأنني أرغب بالطيران بدلًا من السير.

وصلنا إلى المدرسة، فوقفت أمي قليلًا قبل الدخول، وكأن قدميها تجمدتا في مكانهما. سرحت بعينيها نحوي، وتمتمت بصوت خافت واضعة يدها على رأسي، ثم قالت بصوت مرتفع:

”توكلتُ على الله“.

بدأت أشعر بأنني محاطة بسحابة ملونة، لا أرى فيها إلا الألوان والتشكيلات المرسومة على جدران المدرسة، لكنني كنت أسمع أصواتًا كثيرة، ضجيجًا من كل مكان، وضحكات، وصرخات عالية، وأصابع تتجه نحوي.

بدأ التوتر والخوف يظهران في حركاتي، أقفز بلا توقف، وأهز رأسي بطريقة غريبة، وأصدر صوت الأنين بقوة. شعرت وكأنني أفقد عقلي، وازدادت تلك المشاعر حتى راودتني رغبة شديدة في البكاء والهروب، لكن إلى أين؟ لا أعرف…

وفجأة، احتضنني أحدهم بقوة… إنها أمي. أخذت تهدئ من روعي وتردد:

”أنا معكِ يا حبيبتي، أنا معكِ يا سعاد“.

شعرت بحرارة حضن أمي، وكأن دقات قلبها المتسارعة خوفًا عليّ قد طرقت قلبي، فهدأت أعصابي، وخفت حركات جسدي اللاإرادية الملفتة للانتباه. أسدلت يديّ دون حراك، وتسارعت أنفاسي، ونظراتي تجمدت نحو السماء، ومن خلال أنين صوتي أردت أن أخبر أمي برغبتي في العودة إلى المنزل... وبسرعة.