آخر تحديث: 13 / 5 / 2026م - 2:25 م

رجال لا تُشيّعُ مرّتان

عماد آل عبيدان

في بعض الوفيات لا يكون البكاء على الموت وحده.

إنما على تلك الهيئة النادرة من البشر التي كانت تجعل المكان ألين وأجمل والناس أقرب من بعضها البعض والأيام أقل وطأة وثقلًا.

وأنا أكتب هذه المقالة عن أخي وصديقي الحبيب ابو هاشم لا أكتبها أنا ولكن الذي يكتبها أثره وما كان من الناس ومن عرفه تجاهه.

رحل السيد إبراهيم أبو الرحي — أبو السيد هاشم — فامتلأت الهواتف والطرقات والوجوه التي عرفته بشيء يشبه الذهول الثقيل مسترجعة.

ليس لأن الناس لم تعرف الفقد والموت من قبل فبعض الرجال يصعب على الروح أن تتقبّل خبر رحيلهم بهذه السرعة.

الغريب أن كل من كتب عنه كان يتحدث عنه بطريقته الخاصة لكنك وأنت تقرأ تشعر وكأن الجميع يصف ملامح ثابتة لا تتبدل.

وجه مألوف للخير.

روح تدخل إلى القلوب بأريحية صادقة.

رجل إذا ذكر أمر فيه خدمة أو حاجة أو شأن عام وجدته حاضرًا من تلقاء نفسه وكأن العطاء عنده عادة طبيعية.

الصورة هذه لا يصنعها الرثاء.

الرثاء أحيانًا تراه يبالغ.

أما هذا الحنين المتشابه الخارج من أفواه الناس جميعًا فلا يمكن ترتيبه أو الاتفاق عليه.

فهذا العدد من الناس وهم يتحدثون عن الخلق ذاته والحرص ذاته والوجه ذاته فذلك يعني أن الرجل لم يكن يلبس شخصية مؤقتة للناس وإنما كان يشبه نفسه في كل مكان بأثره.

ثمة رجال تمرّ أسماؤهم أو ذكرهم على الحياة مرورًا خفيفًا ثم تتلاشى.

وثمة رجال يتحولون بعد رحيلهم إلى جزء من ذاكرة البلدة كأن الأمكنة تحفظ خطاهم أكثر من غيرهم.

ومن يقرأ ما كتب عن أبي هاشم يلاحظ أمرًا واضحًا

فالناس لم تكن تتحدث عن منصب ولا مال ولا جاه ولا صورة اجتماعية مصطنعة.

الناس كانت تتحدث عن راحة شعروا بها وهم يعرفونه.

وهذه منزلة لا يصلها كثيرون.

أن تكون قريبًا من الكبير والصغير.

أن تدخل مكانًا فلا يضيق بك أحد.

أن تبقى سيرتك خفيفة في أفواه الناس حتى بعد الرحيل.

حتى الذين عرفوه لفترة قصيرة شعروا وكأن بينهم وبينه عشرة عمر.

لأن بعض الأرواح لا تحتاج وقتًا طويلًا حتى تترك أثرها ويكفيها صدقها فقط.

وأجمل ما بدا في كل ما قيل عنه أنه لم يكن يعيش بعقلية ”دع الناس وشأنهم.“

كان يرى خدمة الآخرين جزءًا من صورته عن نفسه.

ولهذا عرفته اللجان والمساجد والأنشطة والوجوه وحتى التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه لها كثيرون كان حاضرًا فيها.

وهؤلاء تحديدًا يوجعون البلدات حين يرحلون.

لأنهم لا يتركون مكانًا فارغًا فقط فهم يتركون نقصًا في الطبع الجميل نفسه.

أحدهم كتب أنه كان يظن السيد من أبناء تاروت لكثرة ألفته مع أهلها.— والسيد رحمه الله ابن القديح—

وهذه العبارة وحدها تكفي لتلخيص جانب كبير من شخصيته.

فالانتماء الحقيقي لا تصنعه الخرائط وإنما تصنعه المعاملة.

ومن أكثر المشاهد التي علقت في الوجدان تلك العبارة التي قالها قبل اللطم وقت تحدث عن ألم قلبه ثم قال بعد المواساة الحسينية إنه يشعر بخفة وراحة.

يا لها من صورة تختصر الرجل كله.

إنسان يجد سكينته بقرب الحسين ويرى في مواساة أهل البيت دواء يتسلل إلى داخله بطريقة لا يراها أحد.

لهذا بدا الخبر موجعًا بهذا الشكل.

فالناس لا تتألم بالدرجة نفسها على الجميع.

هناك من يدفن فتعود الحياة سريعًا إلى عادتها وهناك من يبقى رحيله وغيابه أيامًا طويلة وزمنًا وكأن البلدة كلها تعيد ترتيب ذاكرتها بعده.

ومن الأمور المؤلمة فعلًا أن كثيرًا من الطيبين لا يعرفون قيمتهم وهم بين الناس.

تجدهم يتعاملون بعفوية ويظنون أن ما يفعلونه أمر عادي بينما هناك قلوب كثيرة كانت تستند نفسيًا على وجودهم دون أن تخبرهم.

وربما لهذا السبب جاءت كلمات النعي بهذا الصدق الواضح عن السيد رحمه الله.

فالموت ينتزع من الكلام زينته الزائدة ويترك الحقيقة وحدها.

وحقيقة أبي هاشم — كما ظهرت في كل ما كتب عنه — أنه كان رجلًا نقي السيرة قريبًا من الناس سريع الحضور في الخير وخفيف الأثر على القلوب.

رحم الله السيد إبراهيم أبو الرحي ”أبو هاشم“.

ورحم تلك الوجوه التي أرهقها الخبر.

ورحم ذلك الأثر الذي جعل هذا العدد الكبير من الناس يشعر وكأنه فقد واحدًا من أهله لا مجرد معرفة وانتهت.

فبعض الناس لا يتوقف حضورهم عند آخر الطريق…

لأنهم يتركون شيئًا منهم في كل قلب عرفهم.