آخر تحديث: 13 / 5 / 2026م - 2:25 م

لا تجعل الفاكهة ضيفًا نادرًا على مائدتك

رضي منصور العسيف *

جلسَ أمامي في العيادة وهو يشتكي من التعب، وزيادة الوزن، وارتفاع السكر والدهون…

تصفّحتُ نمطَه الغذائي بهدوء، ثم سألته:

— كم مرة تتناول الفواكه في الأسبوع؟

ابتسم بخجلٍ وقال:

— بصراحة يا دكتور… نادرًا جدًا، ربما لا آكلها إلا على فترات متباعدة.

تنهدتُ قليلًا، ثم قلت له بلغةٍ يملؤها الاهتمام:

يا صديقي…

نحن نعيش اليوم في زمنٍ ابتعد فيه الإنسان كثيرًا عن الطعام الذي خلقه الله طبيعيًا.

أصبحنا نفتح العلب أكثر مما نقطف الثمار، ونتناول الأطعمة المصنّعة أسرع مما نتناول تفاحة أو برتقالة.

صرنا نملأ أجسادنا بالدهون والسكريات والمواد الحافظة، ثم نتساءل: لماذا ارتفعت السمنة؟ ولماذا زادت أمراض القلب والسكري والضغط؟

ثم أشرتُ إلى صورةٍ للفواكه والخضراوات أمامه وقلت:

الحل أحيانًا ليس معقدًا كما نظن… بل يبدأ بخطوات بسيطة تعيدنا إلى الطبيعة.

قلت له:

تخيّل أن ثمرة فاكهة صغيرة قد تمنح جسدك ما يحتاجه من فيتامينات ومعادن لا تستطيع كثير من المكمّلات تعويضها.

الفواكه مليئة بفيتامينات أ، ج، هـ، والبوتاسيوم، والمغنيسيوم، والألياف… وكل ثمرة تحمل رسالة صحة مختلفة.

ثم ابتسمتُ وقلت:

وليس الأمر صحةً فقط… الفواكه متعة أيضًا.

فالعنب له حلاوته الخاصة، والأناناس نكهته تملأ الروح انتعاشًا، والتفاح يُشعرك بالخفة، أما التوت والرمان والخوخ فهي عالمٌ آخر من الجمال الغذائي.

وأكملت حديثي:

أتعرف لماذا أنصح مرضاي دائمًا بالفواكه؟

لأنها تمنح الشبع دون أن تُغرق الجسد بالسعرات.

تساعد على تحسين صحة الأمعاء، وتخفف الالتهابات، وتساعد في ضبط الكوليسترول والضغط، بل إن الدراسات تربط بين الإكثار من الفواكه والخضراوات وتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان.

ثم قال لي مترددًا:

— يا دكتور… سمعتُ أن الفاكهة يجب أن تؤكل على معدة فارغة، وأن تناولها بعد الطعام يسبب التخمر والغازات!

ابتسمتُ وقلت له بهدوء:

هذه من أكثر المعلومات الغذائية انتشارًا… لكنها ليست دقيقة كما يظن الناس.

صحيح أن الألياف الموجودة في الفواكه تُبطئ الهضم قليلًا، وهذا أمرٌ مفيد لأنه يمنح الإنسان شعورًا بالشبع لفترة أطول، لكن هذا لا يعني أن الفاكهة ”تتعفن“ داخل المعدة أو تتحول إلى سببٍ للغازات والمشكلات الهضمية كما يُشاع.

وأضفت:

لا يوجد دليل علمي حقيقي يثبت أن تناول الفاكهة مع الوجبات يسبب الانتفاخ أو الإسهال لدى الأشخاص الأصحاء.

الأهم من توقيت تناول الفاكهة… هو أن تدخل الفاكهة إلى حياتك اليومية أصلًا.

ثم قلت له ممازحًا:

بدلًا من أن تحمل معك كيسًا من الحلويات أو رقائق البطاطس… جرّب أن تحمل موزة أو تفاحة.

جسدك سيشكرك بعد سنوات.

هزّ رأسه مبتسمًا، ثم قال:

— لكنني أشرب العصائر أحيانًا… أليست كافية؟

فقلت له:

العصير الطبيعي أفضل من المشروبات الغازية بلا شك، لكنه لا يعوّض الفاكهة الطازجة بالكامل.

فعند عصر الفاكهة نفقد جزءًا مهمًا من الألياف التي تمنح الشبع وتساعد على تنظيم الهضم والسكر في الدم.

ولهذا فإن تناول البرتقالة كاملةً مثلًا أفضل من شرب عصيرها فقط؛ لأن الفاكهة الكاملة تُشبع أكثر وتمنح الجسم فائدة غذائية أفضل.

ثم أكملت:

ولا تقل لي إنك لا تملك وقتًا.

الفواكه من أسهل الأطعمة تحضيرًا؛ فهي لا تحتاج إلى طبخٍ طويل، ولا إلى وصفات معقدة.

حتى العصائر الطبيعية تستطيع إعدادها خلال دقائق.

وأضف إليها قليلًا من الفراولة أو الموز أو التوت… وستكتشف أن الصحة يمكن أن تكون لذيذة أيضًا.

ثم قلت له في نهاية الجلسة:

لا تجعل الفاكهة ضيفًا نادرًا على مائدتك… اجعلها عادةً يومية.

ابدأ بحبةٍ واحدة كل يوم، فالعادات الصحية الصغيرة… هي التي تصنع الفرق الكبير في المستقبل.

ابتسم هذه المرة بثقة، وقال:

— يبدو أنني سأتصالح مع الفواكه أخيرًا يا دكتور.

فقلت له:

ليس المهم أن تأكل فاكهة اليوم فقط… المهم أن تجعل الطبيعة جزءًا من حياتك؛ لأن الجسد الذي نحافظ عليه اليوم… سيحافظ علينا غدًا.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف